الرئيسية / الاقسام التخصصية / ترجمة / ما المعيار الذي لا يعد علمياً | الجزء الأول

ما المعيار الذي لا يعد علمياً | الجزء الأول

ما المعيار الذي لا يعد علمياً | الجزء الأول

القسم الأول: معايير تاريخية

يتفق عدد من المؤرخين أن العلم الحديث يبدأ منذ عام 1600 ، (وذلك مع كل من غاليليو غاليليه “1564 – 1642” ، وجوانز كيبلر “1571_ 1630” وفرانسيس بيكون “1561 _ 1626” ، وجهودهم الجبارة).

فحقبتهم شهدت الانتقال من الأفكار اللاهوتية التي اتسمت بها العصور الوسطى إضافة إلى بداية عصر النهضة إلى العلم الحديث بمفهومه الحالي في زماننا؛ فالأفكار اللاهوتية بطبيعتها تعتبر بديلة عن أفكار أرسطو الفلسفية، أو ناجمة عن أفكار المدينة الفاضلة الأفلاطونية، فهذه الأفكار تعبر عن قمة الالتزام، وهي بطبيعتها تعد بديهيات فكرية ومعرفية، مقارنة بالعلم الحديث هناك تغييرات في الأفكار وطبيعتها، فالتغيير إذاً يحدث بشكل تصاعدي وفق مبادئ أساسية أو تجارب، حسب عبارات فرانسيس بيكون كما وردت في كتابه ” المعرفة الجديدة”: “فإن الإنسان يعتبر مثالاً يجسد الطبيعة بكل معانيها ؛ اي إن كل ما يفعله الإنسان وكل ما يدركه لا يعد سوى مجرد إنجاز من منجزات الطبيعة، إضافة إلى نظرته إليها سواء من خلال الواقع أو الأفكار، وفوق ذلك فإن الإنسان لا يعرف شيئاً وليس بمقدوره فعل أي شيء….. وحسب ما تم ذكره فإن كل هذه الإدراكات تعتمد عل بقاء أعيننا يقظة على الدوام حيال حقائق الطبيعة، لذلك فإننا نتلقى الانطباعات بكل بساطة”.

لقد بذل كل من غاليليو و كيبلر جهوداً لتجسيد هذه المفاهيم التي غيرت من النمط التقليدي السائد للتفكير ، بخلاف أنماط التفكير التي كانت سائدة في العصور الوسطى التي قللت من قيمة الإنسان، فقد كان أحد هذه المعتقدات أن الأرض مركز الكون، كما أن التفكير السائد الافتراضي يخبرنا أن “الأجسام الفضائية ثابتة لا تدور”، إلا أن نيكولاس كوبرنيكوس ( 1473– 1543) أي قبل مئة عام من ميلاد غاليليو وكيبلر كان أول من كسر هذا المفهوم، إذ توصل إلى نتيجة مضادة تقول إن الأرض تدور حول الشمس، كما أنه أصر أيضاً على فكرة (عدم ثبات الأرض)، وفي نهاية المطاف أفشل غاليليو نظرية أن الأرض مركز الكون، معتبراً أن هذا المفهوم مستند إلى منطق بشري غير صائب، أما كيبلر فقد أثبت أن حركة الكواكب تعتبر دائرية وفق نسق محدد، مقارنة بافتراض أن الدوائر حسب أحد المفاهيم الفلسفية هي التي شكلت الكون الذي نعيشه، وحسب نظريات لاحقة فإن الأجسام الكونية تتعرض للتغيير نتيجة الدوران، بخلاف الاعتقاد السائد أن الشمس لا تحتل حيزاً مهماً في الكون ، أو لا تعتبر مركز المجرة ضمن مجرات عديدة، باختصار فإن منطق العلم الحديث يقرر أن الافتراضات أو الحقائق البشرية ليس بالضرورة أن تتوافق بشكل كلي مع النظريات العلمية ، فنمط التفكير القديم قد ولى زمانه.

لقد ذكر غاليليو أنه حينما سيق أسيراً إلى روما بسب نظريته حول كون الشمس مركز العلم، وأنها ثابتة: “إن النجاح الذي تم تحقيقه وكل التطبيقات والاكتشافات التي تتحقق كل يوم في مجال الفيزياء والكيمياء المعاصرة وعلم الأحياء وحقول المعرفة الأخرى؛ هو نتيجة لتطبيق المنهج الحديث في العلم”.

القسم الثاني: العلم ليس فناً

إن تقل إن العلم ليس فناً فهذا مفهوم يبدو سطحياً ، ولكن بمقارنة الاثنين معاً فإن هذه المقارنة ستوضح لنا مفهوم العلم.

فلنبدأ أولاً بتعرف الفن، ومن ثم سننتقل إلى تعريف العلم.

الفن هو المحاولة الجادة للتعبير عن المشاعر الإنسانية المنفصلة أو الأفكار بخصوص موضوع ما بأسلوب يجده الأخرون جميلاً ومميزاً، أو على الأقل يمتلك معايير جمالية مقبولة.

لذلك فإن الفن يعتبر نمطاً معرفياً مستقلاً عن غيره، باستثناء أنماط الفنون الأدائية، فإن الفن يعتبر على الأغلب منتجاً مستقلاً يرتبط بنوعية الفرد، لأن هذا النمط الفني يعتبر نمطاً نقياً، بخلاف المصطلحات الأخرى، التي من الممكن أن تنسب لشخص واحد، بينما في الفنون الأدائية فإن الفن بشكل عام يعبر عن الحالة الفكرية للشخص الذي يمثله(كما هي الحال مع المؤلف الموسيقي أو مصمم الرقصات)، مع أن هذه الفنون يتم تأديتها بواسطة جماعات، إذاً فالفن يكون نمطاً مستقلاً بحد ذاته في مجالات الرسم أو النحت التي تعرض في الاستوديو والتي لا تعتبر لدى كثيرين فناً مجدياً.

مع أن الكثير من البشر لم يروا هذه الأعمال الفنية وحتى لو شاهدها قسم من البشر فإنهم يعتبرونها قبيحة، ولا قيمة لها ولا حس لها، فالفن المهمل أو الفن غير المحبوب يعبر عن وجهة نظر الفنان.

أما الجزء الثاني من تعريفنا للفن يقترح أن على الفن ليكون ناجحاً أن يكون جميلاً أو مقبولاً، فحتى القرن العشرين كان الجمال يعتبر عاملاً أساسياً في الفن، وفوق ذلك فإن التعبير عن الفن وإبداء الآراء عنه في القرن العشرين يصبح في غاية الأهمية، بيد أن المفاهيم المرتبطة بالفن التي عبر عنها غالباً ما تلقى آذاناَ صاغية، لذلك فإن مفهوم الجمالية في الفن قد عانى من الإهمال سابقاً ؛ وزبدة الكلام فإن المعايير الجمالية كانت وستبقى معايير نقدية بالنسبة للفن، وخاصة في الفن الشعبي المرتبط بهذا الزمان (سواء في لوحات المدرسة الانطباعية، أو معزوفات باخ وموزارت وبيتهوفن، أو حتى في بعض معزوفات موسيقا الروك، أو رقصات الباليه أو حتى بعض الرقصات المعاصرة، ولا ننسى ذكر الشعر من شكسبير إلى نمط الهايكو)، إذاً فالمعيار الجمالي سيبقى نمطاً مهماً.

إن العلم مقارنة بالفن هو محاولة للوصول إلى نتائج مفيدة ومهمة، فهذه النتائج تتحدث عن طبيعة العالم (فالعلوم الاجتماعية هي محاولات مثمرة للوصول إلى نتائج مفيدة تتحدث عن عالم البشر أو الأمور الاجتماعية) ، كدراسة نمط تكون المجتمعات، فكل علم من العلوم يدرس ويهتم بنمط معين ، فمجالات الدراسة بالنسبة للعلوم تبقى مفتوحة، على أية حال إن النتائج التي تم التوصل إليها وفق هذه العلوم الاجتماعية يجب أن تكون ذات فاعلية إذا ما تم ربطها مع العلوم الفيزيائية، وفي سياق متصل إذا قال أحد الفنانين إن ” هذا العمل يعبر شيء عميق في قلبي”، فإن كل شخص يتفق مع رأيه، وإذا تحدث أحد العلماء قائلاً ” ليس لدي أية أدلة لأظهرها لك، ولكن من أعماق قلبي أقول لك إنني أعلم….” حينها يلقي الجميع نظرات وداع وفوراً يغادرون المكان .

إذاً فالطبيعة غير المستقلة لأي علم من العلوم دائماً ما تعبر عن حجم الجهود التي بذلها عدد من الباحثين في الأبحاث العلمية: فعلى سبيل المثال إن ورقة بحثية واحدة مؤلفة في مجال الفيزياء تعتبر في غاية الأهمية إذا ما قارناها برواية أدبية.

ثانياً : حسب تعريفنا للفن ولكن بمقارنتنا الآن للعلم، فإن العلم لا ينبغي أن يحمل في طياته معايير جمالية، أو يتماشى مع مشاعر وعواطف الأخرين؛ فحركة دوران الإلكترونات من الممكن إظهارها لتكون مرعبة، بينما بنية الكريستالات من الممكن إظهارها لإبراز عيوبها ، أو حتى الحديث العلمي عن أعماق المحيطات ومحتوياتها، أو ربما دراسة الكواكب التي لا يمكن أن تبرز مدارات سيرها، فهذه الحقائق متعارف عليها، وكما هي الحال أيضاً في خصوص علم دراسة الأشكال الهندسية المتكاملة، التي من الممكن أن تكون في غاية الجمال.

فالذرات من الممكن في المستقبل أن تبرز في العين المجردة بعد دراسات علمية خلال عقد، كما هي الحال في دراسة أنماط الكائنات الحية، التي من الممكن دراستها لبحث التغييرات التي تطرأ عليها، أو دراسة التغييرات التي تطرأ على حركة القارات، واتصالها ببعض وانفصالها بشكل عشوائي، فالكون يبدو في حالة تغير مستمرة، وهذا شيء جميل، إضافة إلى دراستنا لقيمة الزمان وأنه غير ثابت.

باختصار: إن الفن بشكل مستقل يعد مجهوداً للتواصل مع الفكرة التي تدور في مخيلة الفنان أو الفنانة، وفق شعور جميل وبأسلوب رائع.

بينما يعتبر العلم نتيجة لجهد جماعي يساهم في تشخيص الواقع: فالمعايير الجمالية للفن لا تنطبق على العلم، ومن الطبيعي أن يكون العديد من العلماء محقين إضافة إلى كثيرين من البشر المتفهمين لهذا العلم أن يحددوا معايير جمالية وفق معايير علمية وأنماط الطبيعة، فالفيزيائيون يزعمون أنهم يجدون الجمال في معادلاتهم !

إن من الصحة القول إن العديد من العلماء لديهم معايير جمالية مقبولة، أو على الأقل لديهم المقدرة على إظهار مواهبهم الفنية في إيضاح المصطلحات العلمية، فعلى أية حال فإن الجمال وفق المعايير العلمية المعروفة ليس له تعريفٌ ثابت ؛ إذاً فمعيار الاستنتاج بالنسبة للنظريات العلمية هو من ضمن الافتراضات .

يتبع….

المصدر

ترجمة: إياد دك الباب
تدقيق لغوي: جعفر دندل
مراجعة: عبير شوقي 

عن Abeer Shawqi

Translation/Coordination Manager

شاهد أيضاً

Jobs-that-wont-be-replaced-in-the-next-ten-years-by-robots-and-artificial-intelligence

الوظائف التي لن يتم استبدالها بالروبوتات والذكاء الصنعي خلال العشر سنوات المقبلة

الوظائف التي لن يتم استبدالها بالروبوتات والذكاء الصنعي خلال العشر سنوات المقبلة وظائف مطلوبة بشكل …