الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / التراجيديا السورية | رواية شارع الخيزران | الكاتب السوري حسن صقر

التراجيديا السورية | رواية شارع الخيزران | الكاتب السوري حسن صقر

التراجيديا السورية | رواية شارع الخيزران | الكاتب السوري حسن صقر

“عندما يعم الخراب و يقتحم مظاهر الحياة الروحية و المادية كلها،لا يبقى شيء سوى الفن،ليس من أجل العزاء فقط،إنما لتجديد الثقة في المستقبل و البحث عن بداية جديدة”.

هذه الكلمات مكتوبة على غلاف رواية “شارع الخيزران” للكاتب حسن صقر، الذي يختار ملحمة قايبل و هايبل كافتتاحية ، موضحا بها أن السلطة هي أساس صراعات البشر، و أن العدالة المفقودة في هذه الحياة هي السبب القابع وراء الانقسامات و الحروب التي تعاني منها البشرية منذ اﻷزل. إذ يقول على لسان آدم :

“سينقسم أولادنا يا حواء إلى نصفين:نصف أضع على جبين كل واحد منهم علامة قابيل،و هؤلاء هم اﻷشداء المسيطرون و مالكو القوة،أما النصف الثاني فسأضع على جبين كل واحد منهم علامة هابيل،و هؤلاء هم الضعفاء و الضحايا و سيكونون سعداء جدا ﻷنهم مغبونون،و سأحرص على أن تكون السعادة مرتبطة بالضعف مثلما هي مرتبطة بالقوة،أي أن الضحية ستكون في كثير من اﻷحيان أكثر سعادة من الجاني”.

تبدأ ملامح الشخصية المحورية في الرواية “عادل منصور”، و التي هي الراوي أيضا، بالظهور عندما يسرد القصة من غرفته في فندق في مدينة اللاذقية حيث شارع الخيزران الذي اختاره الكاتب عنوانا للرواية.  عادل الشاب المثقف الذي درس الفلسفة في الجامعة، و الذي غادر منزل عائلته لاجئا إلى الفندق في محاولة لكتابة رواية ، و هرب من أسرته كتمرد على المفاهيم التقليدية للجماعة المتمثلة بالعائلة، و على مفهوم السلطة المتمثل باﻷب ، عانى انقسامات داخلية سببها هذا التمرد .

إذ يذكر في الصفحة 36  : “نحن نسمع أصواتا تأتينا من الخارج تدلنا على طريق الجماعة،و من داخلنا تنطلق أصوات،تدلنا على طريقنا الخاص،إذا ما أصيغنا إليها. و أنت لا تستطيع أن تسمع الصوتين معا.أحدهما يجب أن يصمت الآخر،و إلا ضعت و أصبحت أضحوكة بين الناس.أبي يقول هذا محض هراء”.

و في الصفحة42 يقول : “ينتاب الشاب بعد أن يحتدم الصراع بينه و بين أبيه شعور بغيض يتجلى في أسوأ أشكاله في صورة اﻷب الميت.فجيل الآباء هم الذين واجهوا بعدائية بغيضة مظاهر الطبيعة و رموز الحياة.و هم الذين بالتالي أضرموا نيران الحرب التي نكتوي بها الآن.و حرضوا اﻷبناء كي يزجوا بأنفسهم فيها،و إلا لماذا تشير الإحصاءات إلى أن من حصدتهم هذه الحرب هم في غالبيتهم العظمى دون الثلاثين؟”.

يتعدد في الرواية شركاء عادل في غرفته في الفندق،فمنهم اﻷعمى المتسول،و منهم أحمد بلتعا القواد و المخبر و المقامر، و أيضا بائع الجلود سعيد كلاس.

أما الشريك اﻷبرز في الرواية هو الحمصي الصامت رستم آجو، الذي خسر عائلته في الحرب،و الذي يمثل صورة مصغرة عن محافظته المنكوبة.

قضية الشركاء في الغرفة تتخلها حبكة بوليسية،تظهر و تختفي في مخيلة الراوي،يقوم فيها بقتل شريكه أحمد بلتعا.  

في لقائي معه في مكتب منزله، أخبرني الكاتب أن هناك فرق بين الرمز و الرمزية ، إذ أن استخدام الرمزية أرقى في العمل الروائي،و ضرب لي مثالين عنهما.

 اﻷول في رواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا ” ، والتي بنيت على رموز لها دلالة واحدة ، إذ لا يمكن ﻷدهم أن يكون غير آدم ، و لا يمكن للجبلاوي أن يكون غير الله، و هكذا فإن الرمز يدل على شيء واحد بعينه لا يتعداه ، أما الدلالة تترقى في الرمزية حتى نستطيع إسقاط الرمز على عدة جوانب. و أكبر مثال حشرة كافكا في روايته المسخ ، فالحشرة هنا يمكن أن ترمز للفرد المتمرد على التقاليد الاجتماعية أو السلطة، و ممكن ان تدل على عزلة الفرد ضمن محيطه ، أو مرضه ،أو اختلافه !!

و في روايته،يتضح ميل حسن صقر للرمزية، من خلال طرحه علاقة عادل مع أصدقاء شلته الجامعيين ، و خاصة صديقه أحمد عساف الذي يختار الانخراط في الحرب. فيطرح الكاتب من خلال قصة هذا اﻷخير قضية الطائفية و العودة إلى الانقسامات القذرة،هذه الانقسامات التي تتلاشى أمام الموت، فنجد عادل يقول عند مقتل أحمد : “أنت الذي قتلتني “.

أيضا تتركز الرمزية في الفصل الثالث و الأخير من الرواية “رسالة من إنسان خارج عن المألوف”. إذ تتخذ الرواية طابعاً سريالياً يلتقي فيه الراوي كل من تشارلز ديكنز و أنطون تشيخوف.

أما في الصفحة اﻷخيرة من الرواية ينطلق العويل من الركام ، الذي كان ذات يوم مدينة هادئة و وادعة اسمها حمص .

 و يعلن الكاتب في الأسطر الأخيرة عن خسران آدم لرهانه قائلا: “إذا كان آدم في نهاية المطاف قد خسر الرهان،و قابيل هو المنتصر،فإن خللا ما،يقتضي إصلاحه،هو الذي قاد إلى هذه النتيجة المأساوية.بل ربما كان الجموح المسيطر علينا هو الذي جعلنا في عراك دائم،كأن قابيل لا يزال قابعا فينا،فيما هو يحمل أخاه هابيل قتيلا على ظهره”.

الكاتب حسن صقر – فاطمة جادبيا

تنتهي الرواية لتبقى التساؤلات التي طرحها الناقد و الروائي نبيل سليمان في مقالته عن الرواية: “هل القتل الذي يجري في سورية بهذه اﻷريحية و بهذا الاشتهاء هو إرضاء لرغبة داخلية في القتل ؟ أم أن الضرورة التاريخية جاءت في اللحظة المناسبة ، و وضعت في أيدينا سكاكين لنتذابح ، مقابل أن تسلب منا إرادة الاختيار؟ و هل نحن ننتقل من القتل في سورية إلى قتل سورية ؟” .   . تساؤلات نطرحها جميعا،لكن اﻷدب وحده من يستطيع ترجمة التساؤل في قالب فني ، محولا معاناتنا إلى إبداع.

بقلم : فاطمة جاديبا

عن روعة سنبل

حاصلة على إجازة في الصيدلة و الكيمياء الصيدلية من جامعة دمشق ، أم لطفلتين أرى العالم من جديد بعيونهما ،مهتمة بالشأن الثقافي العربي و متابعة لمعظم أخباره ، لي بعض الكتابات التي ربما تبصر النور قريباً .

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …