الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / لو سبحت في أسطورة ميناتور ماذا ستتعلم ؟

لو سبحت في أسطورة ميناتور ماذا ستتعلم ؟

تحكي هذه الاسطورة اليونانية عن كائن خرافي هو نصف إنسان-نصف وحش\ثور\ ، نتج عن خيانة (باسيفاي) زوجة ماينوس ملك كريت مع الثور الأبيض الكريتي الذي كان سيقدمه أضحية إلى بوسيدون(إله البحر) ، كقربان لوعدِ قطعه أمامه في حال استقرت الأمور له في كريت، ولكن ماينوس لا يفي بوعده بل يقدم قرباناً آخر و لذلك يجعل -إله البحر- زوجة ماينوس تخون كما أسلفنا الذكر ، فطلبت من مهندس القصر أن يقوم ببناء ما يشبه هيكل البقرة لتجلس داخله و تجعل الثور يمارس الجنس معها.

و هذا ما حصل ، و قد ولد ميناتور هذا الكائن المسخ الذي يشير إلى قيم بهيمية-إنسانية منفلتة و غير قابلة للترويض ، و عليه فلا يستطيع ماينوس أن يسيطر على الميناتور ناهيك عن سخط الإله بوسيدون عليه ،تمثل هذه الحالة هنا صراع يتشكل من ناحية الشهوة و الخطيئة و العقاب….يحاول ماينوس السيطرة على ميناتور و تكبيل هذا الوحش فيعمد إلى مهندس القصر(دايدالوس) ذاته السالف الذكر ، و يطلب عونه في بناء مكان يمكن عند وضع ميناتور بداخله أن يتقيَ ماينوس شره و فعلاً بعد التفكير يتوصل المهندس إلى الحل ويقرر تصميم اللابيرنث -المتاهة أو قصر التيه- التي سيقبع فيها ميناتور إلى حين. 

و بطبيعة الحال تم تصوير الميناتور في الأدب و الفن على أنه كائن لاحم ، و يفضل اللحوم البشرية إن هذا التصور في سياقه لا يحيل حسب رأيي سوى إلى المآسي التي تنتجها شهوات البعض و رغباتهم ، فنحن لم نعلم ماذا حدث لزوجة ماينوس و لكننا بالتأكيد نعلم نتائج ما قامت به. 

ما حدث بعد ذلك هو مشاركة أبيداغوس، ابن ماينوس، في الألعاب الأولمبية وفوزه بها في أثينا ، ما يخلق الغيرة التي تدفع بابن إيجوس ملك أثينا المهزوم إلى إرسال قطّاع الطرق في أثر أبيداغوس وقتله.

هنا و عند وصول الخبر إلى ماينوس ، يحرك الأب المكلوم جيوشه لحصار أثينا و تلقين الأثينيين درساً لن ينسوه، و كذلك لتأكيد أن سيد هذه المنطقة هو ماينوس. 

فينجح فيما أراد ، و كمنتصرٍ يفرض على أثينا وملكها تقديم القرابين إلى ميناتور ، و بذلك يحل عقدة الذنب. 

تتكون القرابين من فتيان و فتيات هم الأفضل في أثينا، سبعاً من كل فريق ، يتم الزج بهم في المتاهة ليقوم ميناتور بالتهامهم دون رحمة على مدى سنة، و لكن بعد فترة زمنية لا نعرف كم طالت يدخل ثيسيوس ابن ملك أثينا و أخ قاتل أبيداغوس ابن ملك كريت ، الذي يمثل صورة البطل ذو البعد الواحد (الوسيم-القوي-ذو العضلات المفتولة-صاحب القيم النبيلة…إلخ) بعد أن يرى معاناة شعبه و ذل ما وصل إليه هذا الشعب الواقع تحت استبداد المنتصر ، يطلب من والده أن يدعه يلتحق بالقافلة الذاهبة إلى كريت حسب الاتفاق الذي عُقد مع ماينوس ، و بعد سجال يقبل الأب أن يذهب ابنه و يلتحق مع باقي الأضاحي المفترضة، على أن ينزل في الذهاب شراع السفينة الأسود ، و في حال عودته سالماً ناجياً ينزل الشراع الأبيض كعلامة متفق عليها.
 
 و عند وصول المجموعة إلى كريت، يتم عرضها على الملك و أسرته و حاشيته ليرى مدى مطابقة هذه الأضاحي لما هو مطلوب من نواحي الحُسن و الفتوة وغيره من المواصفات التي يجب توفرها في الأضحية ، و قد كانت ابنة ماينوس (أريادن) بين الحضور و لما رأت تيسيوس أغرمت به ، و لكنها كانت تعرف مصيره، فهو الحب الذي سيموت عند دخول اللابيرنث و لذلك ما كان منها مدفوعة بعاطفة الحب إلا أن قامت خلسةً بإعطائه كُبة خيوط و سيفاً بتاراً ليقضي على ميناتور بالسيف ويخرج من اللابيرنث حياً بتتبع مسار الخيط. 
و هذا ما حصل فقد دخلت المجموعة قصر التيه يقودها تيسيوس ابن ملك أثينا ، ليلاقي الميناتور و يقتله و ينجو منه هو ومن معه من القرابين-نلاحظ أن في أغلب الأساطير اليونانية هناك تخصيص نمطي لكل من شخصية المرأة و شخصية الرجل- وفي طريق العودة ينسى تيسيوس اتفاقه مع والده بخصوص الشراع الأبيض ، و عندما تقترب السفينة من شواطئ أثينا و يعلم الأب أن السفينة لم تنزل شراعها الـأبيض يحزن حزن شديداً ، و يرمي بنفسه في البحر منتحراً ومنه يتخذ بحر إيجه اليوم اسمه.
للمصادفة فإن الثور كان قرباناً لإله البحر بوسيدون ، ولكن بما أن هذه الأضحية لم تنفذ فبعد زمنٍ يبتلع البحر أب البطل الذي قتل هذه الأضحية….لتكون خاتمة ينجو منها المذنبون و يشقى فيها الأبرياء.
صحيح أن ثيسيوس النبيل قد خلص شعبه من ذل الكريتيين و لكن ذلك لم يكن بدون ثمن تم دفعه على الفور و هو انتحار الأب.
يوجد هذا التمثال في متحف اللوفر
كذلك نرى في حالة القرابين المفروضة أنها تعكس واقع أن من لا ذنب لهم عليهم أن يموتوا من أجل مكاسب الملوك، و هذا هو الذل الذي دفع بثيسيوس لرفض هذا المنطق المنحرف.
إن الشهوة هي من تحرك عجلة هذه الأسطورة فشهوة ماينوس للسلطة جعلته يفرض على نفسه مواجهةً مع الإله ، و من ثم الشهوة التي لدى باسيفاي جعلتها تخون زوجها مع القربان ، و كذلك شهوة ابن ملك أثينا للنصر جعلته يقتل ابن ماينوس ……إلخ من هذه السلسلة. 
كما تعكس الأسطورة حالة المجتمع الإغريقي في تلك الفترة من ناحية سيادة كريت و ظهور أثينا كقوة صاعدة يجب أن تبقى تحت الجناح الكريتي. 
يُذكر أن هذه الأسطورة قد استخدمت في الفن بكثرة فهي تظهر في الكوميديا الإلهية لدانتي ، و كذلك في الأعمال السينمائية ، و أيضاً في أعمال النحت و الرسم. 
و تبقى الأساطير عموماً في أي عصر هي نتاج المخيال الجمعي لأبناء المجتمع الواحد ، يملؤون بها ذلك الفراغ الذي ينشأ بين المعرفة و الجهل ، منطلقين من أرضية الواقع ليشيدوا عليها بناءهم الأسطوري المفترض. 
فاقرؤوا و استمتعوا علّنا نهرب من هذا الواقع الحالي لكي لا نضطر أن نكون قرباناً لميناتوراتهم .
 
 

 

عن روعة سنبل

حاصلة على إجازة في الصيدلة و الكيمياء الصيدلية من جامعة دمشق ، أم لطفلتين أرى العالم من جديد بعيونهما ،مهتمة بالشأن الثقافي العربي و متابعة لمعظم أخباره ، لي بعض الكتابات التي ربما تبصر النور قريباً .

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …