الرئيسية / الاقسام التخصصية / إدارة الأعمال و الإقتصاد / تأثير رأس المال الفكري ودوره في تحقيق الميزة التنافسية ج1

تأثير رأس المال الفكري ودوره في تحقيق الميزة التنافسية ج1

تأثير رأس المال الفكري ودوره في تحقيق الميزة التنافسية ج1

للنهوض بمجتمع حضاري

بقلم الأستاذ : إبراهيم نافع قوشجي

  • مقدمة :

يعد رأس المال الفكري هو المفتاح الرئيسي المحدد للتنمية، وعندما تحدث الفجوة بينه وبين باقي رؤوس الأموال فلابد من الاهتمام به وذلك من خلال الاهتمام بالبشر من حيث التدريب والإعداد وتعميق الخبرة ودعم القدرات الإدارية، وحين يتم الإعداد البشري على أكمل وجه فإنه يصبح من السهل تنمية ودعم قدرات باقي رؤوس الأموال، لذا يتوجب على الدول الطامحة إلى النمو والتقدم العمل على تنمية وزيادة الاهتمام برأس المال الفكري.

ونظراً لأننا نعمل حالياً في بيئة تتسم بالتغير بصورة دائمة وبشدة المنافسة سواء داخلياً أو خارجياً مما يضع جميع المنظمات أمام تحد دائم للتكيف مع تلك المتغيرات، فإنه تزداد الحاجة لاستغلال كل الاستراتيجيات المتاحة لكسب ودعم المزايا التنافسية التي تجعل البيئة العربية تتفوق على منافسيها، ولن يتحقق هذا الأمر إلا إذا امتلكت هذه المنظمات الكوادر البشرية المؤهلة مع توفير ثقافة تنظيمية تمتاز بالإبداع والابتكار، ومن هنا جاءت فكرة موضوع هذا البحث لمحاولة تفسير علاقة الارتباط بين رأس المال الفكري والميزة التنافسية للمنظمات كمحاولة للوقوف على مدى توافر متطلبات رأس المال الفكري في تلك المنظمات ودوره في دعم المزايا التنافسية المستدامة لها.

كما أدت التحولات في البيئة الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية إلى زيادة حدة المنافسة بين المنظمات على كافة المستويات، كما اتسم اقتصاد المعرفة بالتعقيد والديناميكية، وأصبحت المعرفة مورداً استراتيجياً يتنامى بشكل تراكمي ويؤثر بشكل كبير على المركز التنافسي للمنظمة.

ولقد أصبح رأس المال الفكري(Intellectual Capital) في ظل ذلك الاقتصاد التنافسي وعصر المعلوماتية هو رأس المال الحقيقي للمنظمات باعتباره الركن الذي يلعب الدور الرئيسي في عملية الابتكار والتجديد، وهو القائد في عملية التغيير والإبداع، وبالتالي هو القادر على تحويل المعرفة إلى قيمة ومن ثم إلى ميزة تنافسية، مما يعني أن مركز الثقل في توليد القيمة قد انتقل من استغلال الموارد الطبيعية (المادية) إلى استغلال الأصول الفكرية (غير الملموسة) ومن قانون تناقص العوائد (الذي ينطبق على السلع المادية) إلى قانون تزايد العوائد (فيما يتعلق بالمعرفة والأفكار).

فقد أصبح من متطلبات بيئة العمل الحالية وما تتسم به من حدة منافسة هو التركيز على كيفية تنمية رأس مالها الفكري لتحقيق عناصر تتفوق بها على منافسيها سواء كان ذلك على مستوى جودة المنتج أو الخدمة أو على مستوى التكلفة والسعر أو غيرها من استراتيجيات التميز.

أولاً : رأس المال الفكري:

  •  مفهوم رأس المال الفكري:

ويعرف “أن رأس المال الفكري هو مجموعة المهارات المتوفرة في المنظمة التي تتمتع بمعرفة واسعة تجعلها قادرة على جعل المنظمة عالمية من خلال الاستجابة لمتطلبات العملاء والفرص التي تتيحها التكنولوجيا “.

ورأس المال الفكري، يجب تمييزه عن رأس المال المادي ورأس المال البشري، إذ يتمثل رأس المال المادي في الموارد التي تظهر في ميزانية المنظمة كالعقارات والتجهيزات وغيرها، بينما يمثل رأس المال البشري المهارات والإبداعات والخبرات المتراكمة للعنصر البشري في المنظمة.

وتجتمع التعاريف على أنه يمكن النظر إلى رأس المال الفكري على إنه:

  • المعرفة التنظيمية وكذلك صناعة المعرفة.
  • القدرة على تطبيق المهارات في أصعب الحالات.
  • المعرفة المكتسبة من خلال التدريب والخبرة.
  • النظام المستخدم لفهم الحالات والتأثيرات.
  • المعرفة متمثلة في كيفية إدارة الأعمال.
  • المعرفة المستخدمة لتجنب المآزق.
  • المعرفة متمثلة في كيفية إيجاد المعلومات وكيفية الحصول عليها.

وفي ضوء ما سبق، أرى أن رأس المال الفكري يتمثل في القدرة العقلية لدى فئة معينة من الموارد البشرية ممثلة في الكفاءات القادرة على توليد الأفكار المتعلقة بالتطوير الخلاَق والاستراتيجي للأنظمة والأنشطة والعمليات والاستراتيجيات بما يضمن للمنظمة امتلاك ميزة تنافسية مستدامة، وأرى أيضاً أن مفهوم رأس المال الفكري هو مفهوم دائم التجدد بسبب البيئة سريعة التغير المحيطة بجميع أجزاء الشركة ابتداءً من تكامل المهارات والخبرات لجميع أفرادها وصولاً إلى الميزة في التعامل مع الموردين الخاصين بها ونهاية إلى جودة السلعة والخدمة المقدمة للعملاء، لذلك لا يمكن إعطاء مفهوم محدد لهذا المورد الهام والذي يعتبر امتلاكه أحد المميزات التنافسية للوصول إلى حاكمية مؤسسية من شأنها أن ترفع من قيمة الشركة محلياً وعالمياً.

  •  مكونات رأس المال الفكري:

يتكون رأس المال الفكري من العناصر التالية:

  • الأصول البشرية (رأس المال البشري): وهي المعرفة المحفوظة في ذهن العامل الفرد والتي لا تملكها المنظمة بل هي مرتبطة بالفرد شخصياً، وتتمثل في المهارات، الإبداع، والخبرات…
  • الأصول الفكرية: وهي المعرفة المستقلة عن الشخص العامل والتي تملكها المنظمة، أو هي مجموع الأدوات وتقنيات مجموعة العمل المعروفة والمستخدمة للإسهام في تقاسم المعلومات والمعارف في المنظمة، ومن أمثلة الأصول الفكرية: الخطط، التصميمات الهندسية وبرامج الحاسب الآلي.
  • رأس المال الهيكلي: ويضم القدرة الهيكلية على تحريك وتطوير المبادرات، من خلال الأخذ في الاعتبار التوقعات الجديدة والاعتراف بالأفكار الجديدة والمفاهيم والأدوات المتكيفة مع التغيير، والتي تشمل الثقافة، النماذج التنظيمية، والعمليات، والإجراءات.
  • الملكية الفكرية (رأس مال التجديد): وتضم العناصر التي تسمح للمنظمة بالتجديد وكذا كل ما يمكن حمايته قانونياً مثل براءات الاختراع، العلامات التجارية، حقوق الاستثمار، المواهب الخاصة بالنشر والمؤتمرات، وتعمل المنظمات في مجال الصناعة على امتلاك المزيد من الملكية الفكرية لتحقيق ميزة تنافسية تمكنها من مواجهة المنافسة الشديدة في الأسواق.
  • رأس مال العلاقات: وهو الذي يعكس طبيعة العلاقات التي تربط المنظمة بعملائها ومورديها ومنافسيها.

وأرى أن التفاعل بين هذه المكونات هو الذي يساعد على تحديد القيمة الحقيقية لرأس المال الفكري الكلي للشركة، كما أنه –ولأغراض هذا البحث- يمكن دمج واختصار كل تلك المكونات في ثلاثة مكونات رئيسية هي رأس المال البشري (ويقصد به العاملين وما يملكونه من معارف وخبرات متراكمة لديهم) ورأس المال الهيكلي (ويتمثل في المعرفة والممتلكات الفكرية المختلفة التي تظل باقية في المنظمة بعد أن يتركها أعضاؤها وتكون مخزنة في قواعد بيانات ومستندات وهياكل تنظيمية) ورأس مال العلاقات(ويتمثل في القيمة المحصلة من تعاملات المنظمة مع البيئة الخارجية من عملاء وموردين ومنافسين وغيرهم).

  •  واقع تواجد رأس المال الفكري:

يتواجد رأس المال الفكري في ثلاثة مواقع رئيسية في الشركة وهي:

  • العاملين: فإذا قدم العامل اقتراحاً لزيادة أرباح الشركة فهو يعتبر بمثابة رأس مال فكري لها وذلك ينطبق على كل ابتكار من شأنه أن يقدم حلولاً مفيدة للشركة.
  • نظام العمل: حيث يؤدي هيكل العمل الجيد إلى تبادل ونقل ونشر المعرفة المفيدة إلى مواقع الحاجة إليها من خلال نظام ملائم لتدفق المعلومات.
  • العملاء: باعتبارهم هم الوحيدون القادرون على إعطاء أكبر قدر من المعلومات عن الفائدة الحقيقية للمنتجات والخدمات المقدمة من الشركة.

لذا لابد من العمل على تكامل تلك العناصر والاهتمام بكل المعلومات التي يحويها كل عنصر، ومحاولة الاستفادة منها لأنها تعمل على تحقيق الميزة التي تجعل الشركة تتميز عن غيرها من الشركات المنافسة التي تعمل في نفس المجال.

  • فوائد الاهتمام برأس المال الفكري:

تبرز أهمية رأس المال الفكري من كونه يمثل في حد ذاته ميزة تنافسية للمنظمة، خاصة وأن المنظمات تتنافس اليوم على أساس المعرفة والمعلومات والمهارات التي لديها، لذا فإن الاهتمام به يعد قضية حتمية تفرضها طبيعة التحدي العلمي والتكنولوجي المعاصر.

وهناك العديد من الفوائد التي يمكن أن تجنيها أي منظمة من خلال الاهتمام برأس المال الفكري، وذلك لأنه يقود إلى ما يلي :

  • زيادة القدرة الإبداعية.
  • إبهار وجذب العملاء وتعزيز ولائهم.
  • تعزيز التنافس بالوقت من خلال تقديم المزيد من المنتجات الجديدة أو المتطورة، وتقليل الفترة بين كل ابتكار والذي يليه.
  • خفض التكاليف وإمكانية البيع بأسعار تنافسية.
  • تحسين الإنتاجية.
  • تعزيز القدرة التنافسية.

وأقول في ضوء تلك الفوائد أن رأس المال الفكري يعتبر من أكثر الأصول قيمة في القرن الحادي والعشرين، لأنه يمثل قوى علمية قادرة على إدخال التعديلات الجوهرية على كل شيء في أعمال المنظمات، فضلاً عن أنه أصبح من أهم المؤشرات التي تعكس تطور الفكر الإداري، فهو يعد من أهم ممارسات المحاسبة الإدارية، بل ربما يعتبر أفضل إستراتيجية لاستثمار الفئة المتميزة في المجتمع من حيث المعارف والمهارات.

  • المحافظة على رأس المال الفكري:

تكمن مشكلة العديد من الشركات في استنزاف المستخدمين عن طريق التقاعد أو الاستقالة أو النقل إلى أقسام أخرى داخل الشركة، هؤلاء المستخدمون لديهم المعرفة في أعمالهم والعمليات التجارية الخاصة بالشركة، وجميع البيانات التي تدعم عملهم، ويعرفون كيف تسير الأمور في الشركة وما هو الذي يصلح أو لا يصلح للشركة, ولكن لا توجد هناك حوافز أو وسائل لتبادل المعرفة أو طرق لنقل تلك المعرفة الّتي يمتلكها هؤلاء المستخدمون للآخرين في داخل الشركة، وهذه المعرفة قد تكون السلاح الذي تستخدمه الشركة للرفع من قيمتها وحصتها في الأسواق المحلية والعالمية، فمديرو الموارد البشرية في كثير من الشركات العالمية متخوفون من ارتفاع معدل دوران الموظفين في شركاتهم لأن ذلك يعرضهم لتكاليف كبيرة في البحث عن الموظف البديل الذي يمتلك المعرفة المثلى لعمله، لذلك على مديري الموارد البشرية المحافظة على رأس المال الفكري لشركتهم، بالإضافة إلى ضرورة القيام أو إلزام جميع العاملين بالشركة في المحافظة على هذا الأصل الفريد غير الملموس  

والتحدي الكبير يكمن في كيفية الحصول على رأس المال الفكري، وكيفية المحافظة عليه، وقد يكون الحل في الاستيلاء على المعرفة المخزونة في عقول الموظفين، وجعلهم ينقلونها إلى الموظفين الجدد أو تدريبهم على ذلك.

عن أ. ابراهيم قوشجي

ماجستير بالاقتصاد /أستاذ محاضر في كلية الاقتصاد وكلية العلوم الإدارية والمالية بالجامعة الوطنية الخاصة، جامعة حماة. مدير المصرف التجاري السوري فرع حماة 4 . قام بالعديد من الأبحاث العلمية والاقتصادية و تأليف الكتب والعشرات من دراسات الجدوى الاقتصادية.

شاهد أيضاً

المضاربة (الجزء الثالث)

المضاربة (الجزء الثالث) ارتداد السوق بقلم: إبراهيم نافع قوشجي  حالة أن سعر السهم انخفض بشكل …