الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / مقالات الراي / عدّة الطلاق | بين حرفيّة النص ومقاصد التشريع

عدّة الطلاق | بين حرفيّة النص ومقاصد التشريع

عدّة الطلاق | بين حرفيّة النص ومقاصد التشريع

” لا يمكن أن يعطينا الله عقولاً ثم يعطينا شرائع مخالفة لها ” ابن رشد

سبق وذكرنا في المقال السابق عن محنة التفكير معضلة أية محاولة جادة للخروج على صنم الماضي، والتي تتلخّص في مواجهة (قال فلان)، هذا التعبير السحري القادر على شلّ أفضل العقول ناهيك عن أكثرها عمىً، بداعي أنّ هذا حكم الله ولا نقاش فيه.. فهل فعلاً هذا ما قاله الله لنا أم هو ما أخبرونا إنّه المقصود من أمر الله؟

لا أريد الدخول في نقاشٍ ديني لا طائل من الخوض فيه،وإنّما ببساطة إعادة النظر في طريقة التفكير وتطوير ملكاتنا للوصول إلى ما أراده الله من استخلافٍ لنا في الأرض على أكمل وجه. وكما وعدت أن نطرح إسقاطاً عمليّاً على منهج إعمال العقل في أمرٍ يعدّ من المسلّمات غير القابلة للنقاش لدى الكثيرين، أتحدّث اليوم عن عدّة الطلاق وأحكامها في قانون الأحوال الشخصية في سوريا المستمدّ من (الأحكام الشرعيّة الإسلاميّة) بشكلٍ رئيسي.

كغيرها من الأحكام الاجتماعية، تخضع العدّة للعرف و التقاليد أكثر من الحكم الديني الصريح، مثال ذلك قضاء المطلّقة لعدّتها في بيت أهلها رغم وضوح آية {إذا طلّقتم النساء فطلّقوهن لعدّتهن و أحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلّا أن يأتين بفاحشة مبينة} فالحالة الوحيدة التي تقضي المطلقة فيها العدّة خارج بيت الزوجية هو ارتكابها للخيانة الجنسية (وهذا بحثٌ آخر يثبت فيه الكذبة المنحولة على الإسلام بحكم الرجم فيه)، كما أنّها تقضيها كما لو كانت فترة عقوبة على جرم الطلاق الذي قد يكون مفروضاً عليها بالأصل، أو فترة عزلٍ لها عن كل ذكر كما لو أنّ اقتراب أيّ رجل منها سيجعلها تقع في الخطيئة، أو أنّها لا يمكن أن تقع في الخطيئة وهي على قيد رباط الزواج! وفي ذلك طبعاً إهانة و انتقاص لقيمة المرأة و تتفيه العلاقات في المجتمع.

11911172_719997038104277_161790637_n

يُستمدّ حكم العدّة بشكلٍ رئيسي من آية {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّـهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} وهنا لدينا ثلاث إشاراتٍ بيّنة: الأولى “يتربّصن” أي أنّ المطلّقة ترتقب حدثاً يحدد عدّتها، وهذا ينفي قولنا عن العدّة إنّها فترة معتبرة لإظهار احترام المرأة لرابط الزوجية الذي انتهى أصلاً، وينفي معاقبتهنّ بهذه المدّة من انتظارٍ بغير تبرير. الثانية “ثلاثة قروء”، والقرء هو الحيض الذي يعني طبياً غلبة احتمال عدم حدوث الحمل ولفظ الرحم للدم الذي كان جاهزاً لتغذية جنينٍ لم يتكوّن، فإن تذكّرنا أنّ الرقم ثلاثة في علم معاني الأعداد يأتي بقصد التأكيد والإثبات القاطع، فهمنا مقصد التشريع المؤكد لبراءة رحم المطلّقة من الحمل قبل نفاذ حكم الطلاق بين الزوجين (ولهذا أيضاً حديثٌ في يومٍ آخر عن الطلاق بين حقيقته في الشرع وممارسته في الواقع)، ويكتمل ذلك بالإشارة الثالثة الفاصلة التي تحرّم على المطلّقة أن تكتم خبر حملها تسريعاً في تفريقها أو لقطع كل علاقة بطليقها. ناهيك عن آياتٍ أخرى تثبّت مقصد براءة الرحم مثل حكم المطلّقة الحامل {وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهن} والمطلقات قبل الدخول اللاتي لا عدة عليهن {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدّونها فمتّعوهن وسرّحوهن سراحا جميلاً}.

نصل إذاً إلى نتيجة أنّ (العدّة لما شرّعت لأجله)، وبالتالي نكون مع تطور الزمان و المكان في قدرة على الحكم بوقتها و وجوبها، فهي لا تجب بحال على من لا رحم لديهنّ أو لا مبايض أو ثبت كونهنّ في سن اليأس من الحمل، كما أنّنا اليوم نستطيع أن نتوقع بدقّةٍ عالية حصول الحمل بتحليلٍ بسيط لدم المرأة بعد أقل من أسبوعين من حدوث الإلقاح عبر المعاشرة الجنسيّة، وأمّا تأكيده فممكن من خلال جهاز الإيكوغرافي بين الأسبوعين الخامس والسابع منذ موعد آخر دورة طمثية للمرأة! وهذا يعني تقليص مدة العدّة إلى الثلث في معظم الحالات و بما يحرّر المطلّقة من قيودٍ لم ينزل الله بها من سلطان.

11911095_719997101437604_901971607_n

سيصعب علينا إزالة طبقة صدأ عمرها سنوات عن تمثالٍ من المعدن، فما بالنا بتلك المتراكمة منذ قرون على فكرنا ورؤوسنا؟! لكنّ المحيط بدأ بقطرة مطر، وكل رحلةٍ طويلة تبدأ بخطوةٍ صغيرة، وإن كنت آمل يوماً أن نعود إلى جادة الصواب و تطبيق فرض التفكير المفروض إلهياً قبل أن يكون إنسانياً، ولكن حتى ذاك الوقت يمكن لنا في أمورٍ مجتمعية لا تحتمل التأجيل اللجوء إلى القاعدة الذهبية “العقد شريعة المتعاقدين” وباعتماد نص {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}، واعتماد وثيقة زواج تفصيلية يوقعها شريكا الزواج وتتضمن كل الشروط والحقوق وما يترتب عليه في حال مخالفة أحد الشريكين لما ورد في العقد وإجراءات إنهاء الشراكة الزوجية بالحسنى دون الضياع في لجّة المحاكم التي يُفتقد فيها الحق أكثر من العثور عليه.

بقلم : د. إياد برغوتي 

 

عن Ahmad Al Tobol

مؤسس و مدير موقع مجتمع ارابيسك و نادي شام للقراء

شاهد أيضاً

النقد التشكيلي حوار الطرشان و غياب المنهج العلمي

النقد التشكيلي حوار الطرشان و غياب المنهج العلمي إن الحديث عن الكثير من الكتابات النقدية …