الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / مقالات الراي / تعريب المناهج العلمية | تجربة رائدة ينقصها الكثير

تعريب المناهج العلمية | تجربة رائدة ينقصها الكثير

تعريب المناهج العلمية ، تجربة رائدة ينقصها الكثير

 المطثية الوشيقية .

المستخفية المُمَحفظة .

مهلاً ..

ليست هذه عناوين لأفلام رعب ، و لا أسماء لأسلحة دمار شامل ، كما قد يتبادر لذهن القارئ ، بل هي أسماء لزمر جرثومية صادفتني أثناء دراستي ! .

و هذه الأسماء بالطبع هي ترجمة للألفاظ اللاتينية الموافقة  ، تلك الألفاظ  التي تُعرف بها هذه الزمر الجرثومية في كل مخابر العالم و جامعاته و مراجعه القديمة و الحديثة ..

الطريقة المتبعة في تدريس المناهج المعرّبة :

في دراستي الجامعية ، و كوني أنتمي إلى الجيل الذي درس في جامعة دمشق  قبل ظهور الجامعات  الخاصة الأخرى ، فقد درسنا جميع مناهج كليتنا و هي كلية الصيدلة باللغة العربية الفصحى ، في بعض المناهج كان المدرس المشرف يفرد محاضرة أو اثنتين ، يستعرض فيها كل المصطلحات العلمية الأجنبية ( لاتينية أو انكليزية ) التي ستمر معنا في المقرر الدراسي و ترجمتها إلى اللغة العربية . ثم يبدأ بتدريس المقرر
بينما يختار مدرسون آخرون أن يبدؤوا بالمنهاج المقرر ، و بالتدريج و مع كل ذكر لمصطلح ما يتم ذكر المصطلح المرادف بالعربية ..

و مع أن الطريقة تبدو منطقية ، إلا أنّ اللامنطقي هو أنّ بعض المصطلحات كان يتم تعريبها و ترجمتها  بطريقة  تجعلها شديدة الصعوبة ، عصية على الفهم و على اللفظ معاً ،  فتأتي على نمط ( جلمود صخر حطه السيل من عل )  .

و لا أدري أهي مسميات مأخوذة من كتب أجدادنا الأقدمين في أيامنا الذهبية ( رحمهم الله و رحم الأيام الذهبية أيضاً ) ، أم أنها مسميات تفتقت عنها إبداعات أعضاء مجمع اللغة العربية ، و الذي يحاول مواكبة العصر بإطلاق مسميات عربية على محدثات الأمور .

يحضرني الآن بعض الأمثلة ، و يبدو أنها الأشد تأثيراً  كونها لا زالت عالقة في ذهني بعد كل تلك السنوات ، أسماء عجيبة للطفيليات و الجراثيم , ربما تصلح لأن تطلق على وحوش أو ديناصورات، مثلاً واحدة من الزمر الجرثومية التي تسبب شللاً حركياً سريعاً و قاتلاً ، و التي تعرف بالانكليزية (Clostridium botulinum); تم الاتفاق على تعريبها : المطثية الوشيقية ، و لا يخفى على القارئ صعوبة اللفظ و غرابته .

زمرة جرثومية أخرى ، تعتبر واحدة من أهم مسببات التسمم الغذائي الذي قد يكون مميتاً  ، تعرف هذه الزمرة ب  (Clostridium perfringens) ،أما بالعربية فهي تعرف  باسم المطثية الحاطمة ، و هو اسم يصلح لواحد من أسلحة الدمار الشامل ..

  دودة الأسكاريس ، و التي تعرفونها جميعاً درسناها تحت مسمى عجيب هو : الصفر الخراطيني .

و أحياناً كانت ترجمة بعض الكلمات أو الرموز و المصطلحات بلا معنى و لا فائدة إطلاقاً .. كترجمة ال  PH   و هي درجة الحموضة , إلى كلمة باهاء .و التي كنا نرددها بصورة تبدو مثيرة للضحك ، باااهاااااء ..

بعض الكلمات أتت على درجة من الغرابة , أذكر مثلاً , أنهم ترجموا لنا كلمة Morphology  مورفولوجيا – و هي لمن لا يعلم تسمية العلم الذي يدرس شكل  الأعضاء – إلى كلمة غريبة جداً لا أدري كيف توصلت إليها عبقرية من ابتدعها و هي : الشكليائية !! .

أذكر أيضاً كلمة degradation  و هي كلمة منطقية بل و توحي بالمعنى ,de- gradation  الواضح من الكلمة أنها تتعلق بإنقاص درجة و هذا هو بيت القصيد تماماً , فهي عملية حيوية تطرأ على البروتين , بإنقاص واحد أو أكثر من الحموض الأمينية في بنتيه , و تأتي الترجمة الرهيبة , الصادمة , تدعّص البروتين !!

 

ما أريد قوله :

لست بالطبع ضد الدراسة باللغة العربية الفصحى ، بل أجده أمراً ضرورياً للمحافظة على لغتنا التي هي جزء مهم من هويتنا و عامل أساسي في بقاء ثقافتنا . و لا عذر لنا في إهمال لغتنا فهي من جهة غنية و مطواعة و قابلة للنمو و التطور ، و من جهة أخرى فلغتنا لها تجربة علمية غنية و واسعة في الماضي ، إذ بقيت لعصور لغة لأهم المراجع ..

حتى و إن كان الطالب يفكر في إكمال دراسته في جامعة ما في الخارج ، فبرأيي من خلال إتقانه للمصطلحات العلمية الأجنبية التي ستمر في دراسته إلى جانب دورات تقوية عامة في اللغة فسيستطيع ببعض الجهد أن يكمل دراسته .. سيكون الموضوع أسهل طبعاً  لو كانت كل المناهج بالانكليزية و لكن المسألة باعتقادي مسألة هوية و انتماء .

ما نحتاجه حقاً أمران :

الأول : مزيداً من الحكمة و التأني في اختيار المصطلحات و الألفاظ ، سواء التي نأخذها من كتب أجدادنا الأقدمين ، أو التي يبتكرها لنا الباحثون اليوم ،

فإن كان لا بد من الترجمة و التعريب للمصطلحات ، و إن كانت لغتنا لغة غنية مطواعة  فسأسمح لنفسي أن أتساءل  ما الحكمة من اختيار ألفاظ بهذه الجزالة و الصعوبة  ، بل و بهذه الطرافة أحياناً ؟؟

الثاني : مزيداً من التنسيق بين المجامع اللغوية العربية ، التنسيق في إنتاج المصطلحات العلمية ، وصولاً إلى توحيدها ، و لا بدّ أيضاً من تعميمها و ربطها بحركة الترجمة و التعريب ، و الحرص على استخدام هذه المصطلحات نفسها في المحتوى الالكتروني العربي ، و حتى في الإعلام كالمقالات العلمية و البرامج الوثائقية .

أذكر أنني قرأت مؤخراً أنّ بعض الباحثين الذين  شاركوا في المؤتمر السنوي الثاني لمجمع اللغة العربية الفلسطيني بغزة ، و الذي عُقد منذ شهور قليلة  ، دعا هؤلاء إلى تأسيس بنك مركزي للمصطلحات العلمية لمواكبة التقدم التقني المتسارع في ظل الثورة المعلوماتية.و هذا بالطبع أمر على غاية من الأهمية . إذ لا يخفى على أحد ، أنْ لا  فائدة حقاً من دراستنا لهذه المصطلحات و الكلمات المعرّبة المعقدة , إن لم يكن هناك أحد يعترف بها غير كتبنا الجامعية , و إن كانت البلدان العربية و حتى الشقيقة منها لا تعترف بهذه الترجمات ، و ربما لم تسمع بها  ..

أخيراً :  

سأذكر حادثة طريفة رواها لي أحد أصدقائي ، فربما تلقي هذه الحادثة مزيداً من الضوء على المشكلة التي يتناولها هذا المقال ، صديقي طبيب مختص بالأمراض القلبية ، كان يحضر مؤتمراً في مصر ، و في أحد النقاشات على هامش المؤتمر ، و في معرض حديثه مع بعض زملائه ،  و هم أطباء من مختلف أرجاء الوطن العربي ، عن واحد من الإجراءات الطبية  ، ذكر ضرورة الانتباه لتجنب الاختلاط المرافق  للجراحة ، يومها سكت الجميع و رمقوه بنظرات استغراب و دهشة ، و عندها تدارك الطبيب الأمر و استخدم كلمة complication  ، فكلمة اختلاط  و التي هي كلمة مألوفة و معروفة هنا في الوسط الطبي  و الأكاديمي في سوريا ، تبدو غريبة  في بلدان عربية مجاورة و يفهمها الجميع فقط  بمعناها الفقهي ، أي الاختلاط بين الجنسين !!

 

بقلم : روعة سنبل

 

عن Ahmad Al Tobol

مؤسس و مدير موقع مجتمع ارابيسك و نادي شام للقراء

شاهد أيضاً

النقد التشكيلي حوار الطرشان و غياب المنهج العلمي

النقد التشكيلي حوار الطرشان و غياب المنهج العلمي إن الحديث عن الكثير من الكتابات النقدية …