الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / من سيقوم بالتجذيف .. مشكلة العمل الجماعي

من سيقوم بالتجذيف .. مشكلة العمل الجماعي

وصلني الإعلان إلى بريدي الجامعي عام 2009 ، و كان عن دورة مجّانية مشترَكة لطلاب الدكتوراه في الجامعات الثلاث الرئيسية في مدينة غلاسكو (جامعة غلاسكو، جامعة ستراثكلايد، و جامعة كاليدونيان) ، موضوع الدورة هو  العمل الجماعي.
وجدت الأمر مثيراً للاهتمام : دورة جماعية في العمل الجماعي، لذلك لم أتردد في الاشتراك بها رغم أن مدتها أربعة أيام كاملة من الساعة التاسعة صباحاً وحتى السادسة مساء.

في افتتاح الدورة : قالوا لنا أن القرن الحادي والعشرين هو عصر ورشات العمل الجماعية، وأن العمل الفردي قد ولّى . لم تعد عبقرية الفرد هي مقياس التطور كما كان سابقاً ، وإنما التقاء الأفكار وتداولها ، وإيجاد أفضل الحلول للمشكلة ، ثم نقله من النظرية إلى التطبيق في أقصر وقت ممكن . هذا كله يستلزم جهداً جماعياً.

 

building-teamwork-23767024

 

 لم يعد العالم يستطيع تحمل انتظار عشرات السنين حتى يولد أحد العباقرة ليحدث تغييراً في العالم ، ويدفع عجلة التطور إلى الأمام كما كان الأمر سابقاً. الآن تتسارع الاختراعات والابتكارات في عصرنا الحالي إلى حد غير مسبوق ، وسبب ذلك في الأساس العمل الجماعي. 

أما سبب اختيار طلاب الدكتوراه من الذين تجاوزوا عامهم الدراسي الثاني لهذه الدورة فلأن الأمر يأخذ أهمية مضاعفة في مجال الأبحاث العلمية . طلاب الدكتوراه عادة منفردون في أبحاثهم، لا يشاركون أحداً بشكل مباشر لأنه يتوجب عليهم كتابة أطروحة متكاملة باسمهم تكون سبباً لحصولهم على الدرجة العلمية. لكن مرحلة الدكتوراه هي عبارة عن (محو أمية) في مجال البحث العلمي حيث تبدأ رحلة الباحث الحقيقية بعد أن ينال درجته العلمية ويثبت قدرته على التخطيط وحل المشاكل بمفرده دون إشراف من أحد.

البحث العلمي الحديث هو عمل جماعي بكل المقاييس ، فالاشتراك بين عدة أشخاص في إنجاز العمل واستخدام التجهيزات المخبرية المتوفرة في عدة أماكن يوفر الوقت والمال ويزيد مردود الإنتاج .

في الدورة : تمّ تقسيمنا عشوائياً إلى مجموعات من ثمانية طلاب ، و اعطاءنا العديد من المشاريع والأحاجي وحتى الألعاب لإنجازها بشكل جماعي. كان فريقي يتكون من خمسة طلاب بريطانيين ، وثلاثة منا نحن الأجانب ،  كنا جميعاً للمصادفة من الدول العربية. و هنا اكتشفتُ الهوة الكبيرة بيننا في موضوع العمل الجماعي.

كان الطلاب البريطانيون أكثر سلاسة منا في هذا الموضوع. لم يحتج الأمر لأكثر من تعارف بسيط في الأسماء ونوع الدراسة حتى شكلوا فريقاً وكأنهم يعرفون بعضهم من سنين.

بدا ذلك واضحاً في أول مشروع نفذناه سوياً ،إذ اتضح من خلاله طريقة تفكير كل شخص ونقاط قوته وضعفه.     وبناء على ذلك قُسّمت المهمات بيننا. تقبل كل شخص المهمة الموكلة إليه إلا إحدى الطالبات العرب . كانت طالبة متميزة جداً وعندها العديد من الأفكار والقدرة على التعبير عنها، ولكنها كانت تريد أن تكون هي قائد المجموعة وأن توزع الأدوار بنفسها وأن تقرر كل الخطوات. لم تستطع أن تتقبل فكرة أن تكون عضواً عادياً في مجموعة وأن يكون القرار جماعياً وليس فردياً. حصل بسبب ذلك الكثير من الشد والجذب بين الجميع، ولكن لفت انتباهي الاحترام الذي تحلى به الطلاب.

استمعوا لكل شخص حتى النهاية وأظهروا تقبلهم لوجهة نظره، ثم وضحوا له أن مصلحة العمل ككل تقتضي أن يتولى فلان الجزء الفلاني لأنه أقدر على تنفيذه وأن يتولى فلان التنسيق العام بين الجميع. لكن الأمر تكرر في كل المشاريع، هناك دائماً جدال طويل اذا لم يتم الأخذ بفكرتها. ورغم أن الموضوع كله هو عبارة عن دورة تدريبية فقد أخذت الأمر على محمل الجد وتصرفت كأن المشروع مصيري تتوقف عليه كل الأمور. بسبب ذلك تأخر وقت تنفيذنا للمهام المطلوبة منا عن باقي الفرق.

Funny-Teamwork-Word-Wallpaper-1024x640

 

بالنسبة لي لم تكن عندي مشكلة في القيادة ولكن كانت مشكلتي في تنسيق التنفيذ. لو كلفت بمهمة مشتركة مع شخص فاني أميل إلى تنفيذها كلها بنفسي لأن ذلك أسهل بالنسبة لي .

مقياس مايرز بريجز :  و هو  من أهم الدروس التي تعلمتها في هذه الدورة و تركت أثراً في نفسي ، و هو مقياس  لتحليل الشخصية وطريقة معرفة التفضيلات الأولية لكل شخص. هناك من يفضلون تنفيذ العمل فوراً وهناك من يفضلون تأجيله. هناك من يحكم على العمل بعقله وهناك من يحكم بعواطفه. هناك من يبدع عندما يكون في مكان منعزل وهناك من يبدع عندما يوضع في وسط جماعي. هناك من ينظر إلى الصورة الكاملة وهناك من ينظر إلى التفاصيل. والقدرة على معرفة شخصية كل شخص في فريق العمل ووضعه في المكان والظروف المناسبة هي التي تضمن انتاجاً متميزاً.

أعتقد أن مشكلتنا الأزلية كعرب (وكسوريين خصوصاً) في العمل الجماعي ، عائد إلى الاهتمام بإبراز أنفسنا بدلاً من الاهتمام بجودة المنتج النهائي. نحن السوريون بشكل عام متميزون على المستوى الفردي. الأسماء في كل مجال أكثر من أن تعد سواء بالداخل أو بالخارج. ولكننا غير ناجحين على مستوى العمل الجماعي (إلا في حالات نادرة)، لأن المهم بالنسبة لأغلب المشاركين أن يبرز اسمهم عن باقي الأسماء وأن يُنسب الفضل لهم وتكون القيادة من نصيبهم، وإذا لم يتم ذلك فهم لن يترددوا في الانسحاب من العمل ككل أو إفشاله أو الذهاب لتشكيل مجموعة عمل جديدة يكون هدفها التغلب على المجموعة الأولى وليس إنتاج عمل جيد متميز.

أخيراً : أتذكر تلك النكتة عن السباق بين فريق عربي وفريق ياباني ،  كل منهما مكون من عشرة أشخاص في تجذيف القوارب وكيف أن الفريق العربي تكون من تسعة ربانيين ومجذف واحد ، بينما تكون الفريق الياباني من تسعة مجذفين وربان واحد، وأجد أنها تعبر عنا تماماً !!

 

maxresdefault

حتى في هذه الأوقات الصعبة ، الكثيرون يهتمون بإبراز أنفسهم بدلاً من إيجاد الحلول ، و قلة قليلة جداً هم من يعملون مخلصين لإيجاد مخرج وإنهاء المعاناة، لذلك طالت محنتنا واستفحلت.

رحم الله الرئيس الراحل شكري القوتلي الذي نُسب إليه القول عندما سلم قيادة سورية إلى جمال عبد الناصر أيام الوحدة مع مصر ( تسلمت شعباً نصفه من الساسة المحترفين، وربعه من القادة والزعماء، والربع الباقي لعلمك، رسلٌ وأنبياء)  ، و المعنى المجازي للرسل والأنبياء أنهم يعتقدون أنفسهم معصومين من الخطأ لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.

السؤال الذي يطرح نفسه  :

اذا كنا جميعاً ربابنة ، فمن سيقوم بالتجذيف ؟..

كان الله في عوننا.

 

بقلم : د . سمر الزير

عن روعة سنبل

حاصلة على إجازة في الصيدلة و الكيمياء الصيدلية من جامعة دمشق ، أم لطفلتين أرى العالم من جديد بعيونهما ،مهتمة بالشأن الثقافي العربي و متابعة لمعظم أخباره ، لي بعض الكتابات التي ربما تبصر النور قريباً .

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …