الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / عمر المختار | منارٌ من دم

عمر المختار | منارٌ من دم

عمر المختار | منارٌ من دم

 رَكَـزُوا رُفـاتَكَ فـي الرّمـال لِـواءَ         يَســتنهضُ الـوادي صبـاحَ مَسـاءَ

يـا وَيْحَـهم ! نصبـوا مَنـارًا مـن دمٍ       تُوحِــي إِلـى جـيل الغـدِ البَغْضـاءَ

أسترجع مطلع هذه القصيدة في ذهني فتتعثر ذاكرتي بنظارة الشيخ الشهيد ، أقف أمام الورقة الجديدة من التقويم ، السادس عشر من أيلول ، 84 عاماً مر على تلك الذكرى” إعدام بطل الصحراء الليبي عمر المختار “

 يمرّ الزمن سريعاً على الأحداث ،  لكنّ تلك الشخصيات والعبر يبقى عبق حضورها في الذكرى زكياً لا يُنسى كلما مرت بمحاذاة اللحظة ،  لذا جولتنا اليوم مع أرابيسك ستكون فرصة لنتعرف على الشيخ المجاهد أكثر برفقة تلك الرمال التي احتضنت حياته و بطولته .

عمر المختار
  • حياته :

شيخ الشهداء .. شيخ المجاهدين  .. أسد الصحراء . تعددت الألقاب والبطل واحد .

هو عمر بن مختار بن عمر المنفي الهلالي ، المولود  في برقة ، والذي نشأ في بيئة دعمته بعلومها الدينية والدنيوية ليشب المختار على مكارم الأخلاق ، و احترام الكبير، وحماية الضعيف و إكرامه ، فكان كما عرف عنه  متديناً حاد الذكاء ، حازماً شديداً عندما يتطلب الموقف ، و متواضعاً رحيما تارة أخرى ، كان نزيهاً شديد الولاء  لوطنه  ولقضية شعبه بالحرية من الاستعمار الايطالي حتى آخر أيامه .

وقد عرف قربه من الحركة السنوسية ، فخلال السنوات التي أكمل فيها دراسته في منطقة تدعى ب الجغبوب ، أثبت جدارته وسمعته الحسنة مما جعل محمد المهدي السنوسي ثاني زعماء السنوسية  يقوم بدعوته لمرافقته في إحدى رحلاته إلى جنوب ليبيا وغرب السودان وتحديداً إلى منطقة تعرف ب  “قرو ” ، وعيَّنه هناك شيخاً.

 ومن أحد الحوادث المعروفة عن المختار في تلك الفترة هي الحادثة التالية كما جاء في المصدر : ” يروى أنه في الطريق إلى السودان وبينما كانت تعبر قافلته الصحراء أشار أحد المرافقين للقافلة إلى وجود أسد مفترس بالجوار، واقترح تقديم إحدى الإبل كفدية لاتّقاء شره، إلا أن عمر المختار رفض وقال: «إن الإتاوات التي كان يفرضها القوي منا على الضعيف قد أبطلت، فكيف يصحّ أن نعيدها لحيوان؟ والله إنها علامة ذلٍّ وهوان، والله إن خرج علينا لندفعه بسلاحنا»، ثم خرج الأسد فذهب إليه وقتله، وسلخ جلده وعلَّقه لتراه القوافل الأخرى، وبعد ذلك كل ما ذُكِرَت القصة كان يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. “

و ربما يكون المختار اكتسب لقب أسد الصحراء بعد هذه الحادثة  .

  • ومضات من مراحل نضاله  :

ربما كانت أولى محطات انخراط المختار في النضال هي ضد الاستعمار الفرنسي في تشاد ، بعدها جاء النضال الطويل ضد المستعمر الايطالي خلال معارك شهيرة كمعركة أم الشافتير  أو (عقيرة الدم) و معركة بئر الغبي .

وخلال مواقف كثيرة حاول فيها المستعمر استمالة المختار عن طريق مفاوضات أو ضغوطات كان رده:

“إنني ما قبلت هذا الاجتماع مع الوفد الإيطالي لأستمع إلى هذه المهازل، ولا أحارب الطليان من أجل الوصول إلى هذه الترّهات، إن موقف المجاهدين لا يقبل الجدل أو المساومات، إنه فوق ذلك، إنها مسألة حقوق أمة كاملةٍ ضحَّت بأكثر من نصف عددها وفقدت الكثير من مواطنيها وامتُهِنَت كرامتُها وجُرِحَت في دينها، إن الكلام يجب أن يكون حول قضيتنا الوطنية كاملةً، غير منقوصة. وثقوا أنني لم أكن لقمة طائبةً يسهل بلعها على من يريد، ومهما حاول أحد أن يغير من عقيدتي ورأيي واتجاهي، فإن الله سيخيّبه “

حاولت الحكومة الإيطالية  بعدها إعادة فتح ملف المفاوضات ففي عام  1923 عادت ببنود جديدة ومحاولات جديدةٍ لاستمالة عمر المختار، حيثقامت الحكومةالإيطالية بمحاولة رشوته وإغرائه بإصدار مرسوم رسمي يقرّه شيخاً لبلدة زاوية القصور ، و موظفاً براتبٍ حكومي يبلغ 900 فرنك شهرياً. لكنه رفض وذكر غراتسياني : ” أنه بقي كما هو لم يقبل ، بل صمَّ أذنيه ، ورفض كل المحاولات التي استخدمت من أجل استدراجه للخضوع أو الاستسلام ” .

لتتجدد بعدها المعارك والاشتباكات من جديد بين الجيش الايطالي بقيادة غراتسياني و المجاهدين الليبين بقيادة الشيخ المجاهد 

  • عمر المختار .. أسيراً :

كانت أكثر الأمور التي شغلت الطليان على مر أعوام من خسائر لم تكن في حسبان توقعاتهم ، هي مطاردة عمر المختار وأسره ، وعلى وجه الخصوص القائد غراتسياني ففي أحد المرات التي استطاع فيها الطليان أخذ نظارات المختار إثر أحد المعارك أو الاشتباكات قال غراتسياني عندها : ” لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغدًا نأتي برأسه ” .

وفي 11 سبتمبر من عام 1931 كانت نبوءة الايطالي ورغبته قد تحققت عندما تم أسر المختار أثناء زيارته هو وعدد من  رفاقه لأحد الأضرحة بمدينة البيضاء ،  وبعد أن تم رصدهم من قبل القوات الايطالية و اللحاق بهم ، حدث اشتباك أدى إلى اصابة حصان المختار فتمكن عندها القائد الايطالي من النجاح بما فشل به قبله كثيرون واقتيد المجاهد الشيخ إلى الأسر .

  • الحكم :

كما جرت العادة مع المحتل ، إعدام أي مقاوم أو بطل يتمكن من حشد الجماهير ورفع معنويتها على الدوام رغم كل ظلم العدو والمستعمر ، فتمت محاكمة الشيخ المختار محاكمة صورية كان الحكم فيها موضوعاً قبل أن تبتدأ حتى .

و تم إعلان الحكم على الجماهير بإعدام عمر المختار شنقاً حتى الموت  ليكون عبرة للجميع ، وقد روي عن حديث جرى بين غراتسياني والمختار بعد إعلان الحكم وكان كالتالي : ”  إني لأرجو أن تظل شجاعًا مهما حدث لك أو نزل بك ، فأجابه المختار: إن شاء الله “

وفي يوم  الأربعاء 16 سبتمبر من عام 1931 تم تنفيذ الحكم بحق الشيخ الذي ناهز السبعين  من العمر ، سجل خلالها في تاريخ البطولات صفحات لا زالت تعبق بلحظات تفخر بها أجيال لا زالت تقاوم أعداءً ومستعمرين .

  • الفيلم :

 في عام 1981 تم إنتاج فيلم تاريخي وثق حياة المختار وجهاده ضد المحتل الايطالي وجيش موسوليني قبيل الحرب العالمية الثانية ، وقد كان الفيلم من بطولة أنتوني كوين و من إخراج المخرج السوري مصطفى العقاد وتصوير جاك هيلدريارد ومونتاج جون شيرلي وبلغت ميزانيته حوالي 35 مليون دولار أمريكي.

أبرز مشاهد الفيلم كان المشهد الأخير المحفور في ذاكرتي ، حين يفارق المختار الحياة فتسقط نظاراته على أرض صحراء أنجبت أبطال مثله ، فيلتقطها الطفل الصغير ليصل لنا أن العمل الطيب والصادق في سبيل الوطن ، لن يقف عند إعدام خطوة ، فالخطوات مستمرة والطريق طويل .

وربما تليق كلمات المختار هذه لتكون كلمة أخيرة للجولة :

   ” نحن لن نستسلم ..ننتصر أو نموت … سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم ، والأجيال التي تليه أما أنا فإن  حياتي ستكون أطول من حياة شانقي “

عمر المختار | منارٌ من دم | بقلم: نيروز منذر 

عن Nairouz Monzer

طالبة هندسة معمارية في جامعة دمشق .. ضوء ، ألوان ، فرح ، صباحات ، أحرف ، والكثير من الأمل .

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …