الرئيسية / الاقسام التخصصية / إدارة الأعمال و الإقتصاد / مفهوم جريمة غسيل الأموال مراحلها وخصائصها

مفهوم جريمة غسيل الأموال مراحلها وخصائصها

 

مفهوم جريمة غسيل الأموال مراحلها وخصائصها

بقلم الأستاذ : إبراهيم نافع قوشجي

  • المقدمة :

تعدّ جرائم غسيل الأموال (Money Laundering) أخطر جرائم عصر الاقتصاد الرقمي، أنها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المال والأعمال، وهي أيضاً امتحان لقدرة القواعد القانونية على تحقيق مواجهة الأنشطة الجرمية ومكافحة أنماطها المختلفة. وغسيل الأموال جريمة لاحقة لأنشطة جرمية حققت عوائد مالية غير مشروعة،  فكان لازماَ إسباغ المشروعية على العائدات الجرمية أو ما يعرف بالأموال القذرة ليتاح استخدامها بيسر وسهولة.

  • مفهوم جريمة غسيل الأموال:

على الرغم من أن جريمة غسيل الأموال قديمة قدم التاريخ إلا أن مفهومها اكتسب طابعاَ مراوغاَ،  وخصائص وصفات ملتبسة وغامضة،  وهي مركبة ومعقدة في جوانبها الخاصة. فهي عملية يلجأ إليها من يعمل في تجارة المخدرات والجريمة المنظمة أو غير المنظمة لإخفاء المصدر الحقيقي للدخل غير المشروع والقيام بأعمال أخرى للتمويه كي يتم إضفاء الشرعية على الدخل الذي تحقق.

أما التعريف القانوني لها فهو كالآتي: قبول ودائع أو تحويل أموال مع العلم أن هذه الودائع أو الأموال مستمدة من عمل غير مشروع أو أجرامي وذلك بإخفاء مصدر تلك الأموال أو التستر عليه أو لمساعدة أي شخص يُعّد فاعلاً أصيلاً أو شريكاً في ذلك العمل على الإفلات من النتائج القانونية.

  • مراحل عمليات غسيل الأموال:       

تمر عمليات غسيل الأموال بمراحل مختلفة هي:

المرحلة الأولى: مرحلة التوظيف أو الإيداع أو أبدال النقود أو الإحلال: وتعني هذه المرحلة التخلص من الأموال المشبوهة من خلال إيداعها في الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية أو شراء العقارات أو الأسهم أو السندات أو الشيكات السياحية والمشاركة في مشروعات استثمارية تكون حقيقية وقد تكون وهمية ثم بيع تلك الأسهم ثم نقل الأموال إلى خارج حدود البلد الذي تم فيه الإيـــداع،  ويتم عادة اللجوء إلى الأوراق التجارية أو أوامر الدفع من خلال كتابة المبالغ النقدية على تلك الأوراق وتسهيل حركة تلك الأوراق أو إيداع تلك الأوراق في الجهاز المصرفي التجارية بحيث تنصهر في عملياته المتداخلة، أو استخدام الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية ومؤسسات الإقراض وشركات الصرافة التي يتم استخدامها في عمليات التحويل على أساس أن تلك الأموال تعود لشركات الصرافة نفسها .

وتعّد هذه المرحلة من أكثر المراحل صعوبة باعتبار أن غاسل الأموال يكون طرفاَ في المعادلة.

المرحلة الثانية: مرحلة التغطية: وتتم هذه المرحلة بعد دخول الأموال إلى القطاع المصرفي،  وذلك من أجل فصل هذه الأموال عن نشاطاتها الأصلية غير المشروعة،  ويتم ذلك من خلال مجموعة من العمليات المعقدة والمتتابعة من أجل إخفاء مصادر الأموال،  وتتميز هذه المرحلة باعتبارها المرحلة التي يكون كشف مصادر تلك الأموال أكثر صعوبة،  ويكون ذلك من خـــلال استخدام الأوراق الماليـــــة التي من السهـــــل تحويلهـــــا. كخطابات الضمان وشيكات الصرف والأسهم والسندات وعمليات الدفع من خلال الحساب،  حيث يقوم المصرف الأجنبي بفتح حساب في أحد الجهاز المصرفي المحلية ويقوم عملاء البنك الأجنبي بالسحب والإيداع في ذلك الحساب لإدارة أنشطتهم المشبوهة وشراء رؤوس الموال ذات القيمة العالية ومن ثم إعادة بيعها ومع الطور التكنولوجي أصبح غاسلو الأموال يلجؤون إلى الوسائل الإلكترونية الحديثة لتمويه نشاطاتهم من أجل محو الآثار الجرمية وذلك كون تلك العمليات تتم بسرعة المسافات البعيدة والقدرة على أخفاء الاسم ومحو أية آثار محاسبية في هذا الإطار.

المرحلة الثالثة: مرحلة الاندماج: تعّد هذه المرحلة الأخيرة في عمليات غسيل الأموال وتمتاز بعلنية نشاطاتها،  وذلك من خلال دمج هذه الأموال في الدورة الاقتصادية وخلطها في بوتقة الاقتصاد الكلي بحيث يصعب معها التمييز بين الثروة ذات المصدر المشروع وغيرها من الثروات ذات المصادر غير المشروعة وإضفاء الطابع القانوني على أعمال الجاسوسية والمخربين السريين والأعمال الاستخباراتية وحظوظ المصادقة والتي لا يمكن الركون عليها كأساس لمكافحة عمليات غسيل الأموال .          

  • خصائص جريمة غسيل الأموال:

تتصف جريمة غسيل الأموال بخصائص محدّدة،  تختلف عن الجرائم التقليدية،  كما أنها تتشابه في معظم تلك الخصائص مع خصائص الجريمة المنظمة،  مثل الاتجار بالأسلحة وتهريبها،  والتزييف والتزوير،  والإرهاب  وغيرها من الجرائم الأَخرى. وتتمثل خصائص جريمة غسيل الأموال فيما يأتي:

  •  التكامل: تتصف جريمة غسيل الأموال بالتكامل والشمولية والاتصال،  وتَعّد هذه الجريمة من الجرائم ذات الاتصال الوثيق بين مكوناتها،  إذ يجب أن تتوافر لها عناصر متكاملة كل حلقة تكمل الأَخرى،  بدءاً من مرحلة الإيداع ثم مرحلة التغطية أو ( الترقيد ) وانتهاءً بمرحلة الاندماج.
  •  التنظيم والتخطيط: جريمة غسيل الأموال لا مجال فيها إلى الارتجال،  بل تتوافر فيها عناصر التنظيم والتخطيط والضبط وأداء الأدوار بدقة ومهارة وإتقان.
  • المردود المالي الهائل: جريمة غسيل الأموال ذات مردود مالي كبير وثروة سريعة لمنفذيها خلال مدة زمنية قصيرة.  
  • النفوذ: يحرص غاسلو الأموال على توافر غطاء لأعمالهم الإجرامية،  إذ يركزون على توافر نفوذ سلطوي في عملياتهم ليتستروا فيه وراء جرائمهم. 
  • جريمة الحق العام: تُعّد جرائم الحق العام من الجرائم التي لا يتوافر فيها عنصر الادعاء الشخصي رغم أن المجتمع بكامله ضحية لها ويتضرر من قيامها. وجرائم غسل الأموال حق عام يغيب عنها المدعي العام.
  •  التخصص الطبقي: تُعّد جريمة غسيل الأموال عندما تلحقها درجة عالية من التنظيـــــم.
  • الوقائية: تُعّد جريمة غسيل الأموال من الجرائم التي تفيد في منع وقوعها الإجراءات الوقائية، لأن العلاج المتأخر صعب ويحتاج إلى وقت طويل ويكون ذات نتائج متدنية أحياناً.
  • الاحتراف والتبصر: إن مرتكبي جرائم غسيل الأموال على قدر كبير من الدراية والمعرفة بالثغرات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي يستطيعون من خلالها تحقيق أقل قدر ممكن من احتمالات الفشل.
  • عالمية الملامح والأبعاد: أدت ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المتطورة واستخدامها في العمليات المصرفية إلى إضفاء الملامح والأبعاد العالمية والدولية على جريمة غسيل الأموال.
  • حجم مشكلة غسيل الأموال:

تشير تقارير وإحصاءات الهيئات الدولية إلى أن حجم الأموال التي يتم غسلها سنوياً عبر المراكز المالية العالمية يتراوح بين ( 75 – 1000) مليار دولار. ومن جهة أُخرى تقدر المصادر العالمية المتخصصة ومنها صندوق النقد الدولي أن الحجم الحالي لعمليات غسيل الأموال يتراوح بين (620 مليار دولار إلى 1,6 تريليون دولار) أي ما نسبته 2 %- 5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. 

  • أساليب غسيل الأموال:
  • الأساليب التقليدية:

أولاَ: تهريب وتبادل العملات: ويمكن وصف هذه العملية من خلال وضع الأموال المشبوهة في حساب جار في أحد الجهاز المصرفي ومن ثم يصار إلى تحويلها أو نقلها إلى حساب أخر من خلال حركات متعددة ومتشابكة بحيث يصعب معها التمييز في هذه الحسابات بين الأموال النظيفة وغيرها من الأموال القذرة.

ثانياً: استخدام الشركات الوهمية: ويتم أحياناً تأسيس شركات بصورة قانونية،  ولكنها لا تمارس في الواقع أية نشاطات فعلية أو مشروعات،  ويتم فتح حسابات باسم الشركة داخلية وخارجية ومن ثم تكون الملاذ القانوني لمحاولات عمليات غسيل الأموال   

ثالثاً: الصفقات الوهمية ودور السمسرة والقمار وشراء الأصول المادية: تستخدم لصفقات الوهمية كإحدى الوسائل التقليدية في عمليات غسيل الأموال.

  • الأساليب التكنولوجية المتقدمة:

ظهرت الأساليب التكنولوجية الحديثة كإحدى الوسائل السريعة لعمليات غسيل الأموال الأمر الذي تضيع معه إمكانية الرقابة على مصدر تلك الأموال،  وتبرز أهمية الوسائل الإلكترونية المتقدمة التي جاءت نتيجة لثورة الاتصالات وتطور شبكتها من خلال المقارنة بين الوسائل التقليدية والوسائل الحديثة في مراحل عمليات غسيل الأموال،  ففي الوسائل التقليدية يتم الاعتماد على عمليات الإيداع لدى المصارف وعمليات التهريب عبر الحدود غير المأمونة لعمليات الإيداع في حين يتم استخدام الوسائل الحديثة كالبطاقات الذكية وأجهزة الكمبيوتر ومن خلال الإنترنيت عبر منظومة حماية وتشفير لضمان سرية عمليات الإيداع .

أما من حيث التوظيف،  ففي الوسائل التقليدية يتم من خلال الحوالات المالية أو عبر وسائل دفع غير نقدية كالشيكات السياحية والكمبيالات المسحوبة على المصارف في الخارج،  أما في الوسائل الإلكترونية الحديثة فتتم عبر سلسلة من العمليات المعقدة والسريعة والمتعاقبة التي يمكن معها فصلها عن مصادرها غير المشروعة.

  • وأخيراً :

للتخلص من هذه الأفة لا بد خلق رأي عام مناهض للجريمة بصفة عامة وجريمة غسيل الأموال بصفة خاصة لما تتركه هذه الجريمة من تأثيرات سلبية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بشكل عام والمجال النقدي والمصرفي بشكل خاص، وقيام الدولة بتشديد الرقابة وبالتنفيذ الحازم للقوانين المتعلقة بالتجارة وبالأنظمة المصرفية إذ تقوم الجماعات الإجرامية بتذليل كل الحواجز التي تحكم التجارة العالمية وحركة انتقال رؤوس الأموال.  

عن أ. ابراهيم قوشجي

ماجستير بالاقتصاد /أستاذ محاضر في كلية الاقتصاد وكلية العلوم الإدارية والمالية بالجامعة الوطنية الخاصة، جامعة حماة. مدير المصرف التجاري السوري فرع حماة 4 . قام بالعديد من الأبحاث العلمية والاقتصادية و تأليف الكتب والعشرات من دراسات الجدوى الاقتصادية.

شاهد أيضاً

المضاربة (الجزء الثالث)

المضاربة (الجزء الثالث) ارتداد السوق بقلم: إبراهيم نافع قوشجي  حالة أن سعر السهم انخفض بشكل …