الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / كارول..في بلاد العجائب

كارول..في بلاد العجائب

قل الحق دائما، وفكر قبل أن تتكلم، ثم اكتبه فيما بعد

عندما تكون البداية لأفكارك الخلاقة و الخيالية أخلاقية تهدف للوصول إلى مشاعر إنسانية نبيلة و راقية لتتواصل مع أقرب الأشخاص إليك و تحمل عبء و مسؤولية التواصل معهم على عاتقك عندها لا تكون أضواء الشهرة و النجاح غايتك أو الطموح الذي تسعى إليه ، و تترفع عن جعل معاناة الآخرين سجادة حمراء تُفرش أمام إبداعك لتخطو عليها نحو الشهرة و العالمية و أن تدخل من خلالها الى تاريخ الأدب و الفن و العلم…

 Lewis_Carroll_1863

هكذا كانت بداية الكاتب الإنكليزي الشهير بإسم ” لويس كارول ” الذي ولد في 27 يناير 1932 و كان الابن الثالث من عائلة تضم 11 ولداً، منهم 8 فتيات. كان أشقاؤه وشقيقاته يعانون جميعاً من التلعثم وعسر القراءة، ولعل هذا ما يقف خلف رغبته، التي عبّر عنها منذ الصغر، في ابتكار الحكايات والكتابة بالمقلوب واختراع الأكاذيب وشتى أنواع المزاح، حيث كان يخترع الحكايات ويرويها لأخوته كما كان يربي أغرب الحيوانات (وهي الحيوانات نفسها التي أصبحت في حكايته).

تلقى تعليمه في مدرسة “ريغبي” ولكنه لم يقض أوقاتاً سعيدة هناك لما كان يعانيه من خجل شديد، وتوعك متكرر في صحته، وتلعثم في الكلام لازمه طوال حياته جعله عرضة لسخرية أصدقائه. إلا أنه كان متميزاً في تحصيله العلمي، فتابع دراسته في أكسفورد، وبرز في الرياضيات والمنطق والدراسات الكلاسيكية، وصار عضواً في الهيئة التعليمية حتى عام 1881

آثر كارول صحبة الأطفال أكثر من الكبار، وكان يقضي معظم وقته معهم، ربما بسبب التأتأة التي ما انفك يعانيها، والتي كما قيل، لم تظهر عندما كان يتحدث إلى أصدقائه من الأطفال ويحكي لهم القصص والحكايات.

 

 

lewis-carroll
كانت شخصياته الخيالية لا تفارقه

 

كل شيء يتضمن مغزى فقط إذا استطعت أن تجده

“لويس كارول” هو الاسم المستعار للكاتب و الرياضي و المصور الفوتوغرافي الإنكليزي  الشهير ” تشارلز لوتويدج دودسن.” الذي استخدم اسمه المستعار على الحكايات التي اشتهر بها و وضع اسمه الحقيقي على المؤلفات الأكثر جدية خاصة في مجال المنطق و الرياضيات و من أشهرها كتابه ” لغة المنطق ” الموجه للأطفال.

و هو المبدع العالمي الذي وقف وراء حكاية ” مغامرات أليس في بلاد العجائب ”  الحكاية التي شغلت أوساط المجتمع و العلم معا ً لما تعرضت له من قبل الباحثين من دراسات لسيكولوجية الأطفال و الدخول من خلالها الى عوالم تفكير الأطفال و خيالهم الخصب .

Alice-In-Wonderland-classic-disney-7661169-720-480

و بعد العديد من الدراسات العلمية و الطبية عُرفت بما يسمى ” متلازمة أليس في بلاد العجائب ” أو متلازمة “تود” وتُعرف هذ المتلازمة بأنها نوع نادر من الاضطرابات العصبية تؤدي إلى مجموعة من اضطرابات الرؤية والإحساس بالفراغ كما الإحساس بالزمن ، وهذه الأعراض تصيب القسم المسؤول عن الاوامر البصرية في الدماغ ، وتتميز بوجود تشوهات بصرية مع وجود جهاز بصري سليم الاضطرابات تتمثل بتعطيل الرسائل التي ترسلها العيون إلى الدماغ وتظهرها متشوهة ومختلفة عن حقيقتها، ما يؤدي إلى حدوث تشوه في الإدراك البصري.

علاوة على ذلك ، فإن هذه المتلازمة قد تؤدي أيضا إلى تشوهات غريبة في حاستي اللمس والسمع لدى المصاب، وبالرغم من أن هذه المتلازمة قد تصيب الشخص في أي سن كان، إلا أنها تعد أكثر شيوعًا لدى الأطفال. سميت بهذا الاسم نتيجة وجود بعض تلك الأعراض كما في رواية أليس في بلاد العجائب ، التي ترى فيها البطلة تغيراً في الأشكال والأحجام .

حجزت الحكاية لنفسها مكاناً في أذهان مخرجي السينما العالمية بفيلم من إنتاج شركة والت ديزني في عام 2010 ومن بطولة الممثل العالمي ” جوني ديب “، ونفس الشركة أظهرت هذه الحكاية للمرة الأولى كرسوم متحركة في 1951.

Mainimagealiceinwonde
فيلم أليس في بلاد العجائب 1951

 

 

 بداية القصة العالمية  كانت في عام 1850 داخل حرم جامعة أكسفورد البريطانية حيث التقى كارول الشاب في الثامنة عشر من عمره في ذلك الوقت ، بطفلة في الرابعة واسمها “أليس” وكانت ابنة الدكتور ليدل عميد الجامعة، وكان ذلك أثناء تسجيله في الجامعة لدراسة العلوم والرياضيات.

على الفور أحس الشاب بانجذاب نحو تلك الطفلة وزاد الانجذاب حين اكتشف الشاب أن الطفلة مغرمة بالحكايات، من ناحية، وأن تعابير وجهها تصلح للتصوير الفوتوغرافي من ناحية ثانية.

فهو أيضاً كان مولعاً بالحكايات والتصوير و تأليف الحكايات ارتجالاً نظرًا لطفولته التي نشأ و ترعرع فيها. وقد كتب «مغامرات أليس» مستلهماً مادتها من رحلة قام بها مع بنات عميد الكلية التي عمل مدرساً فيها، اللواتي كن من أعز أصدقائه، وكانت إحداهن «أليس». وقد كتب الرواية وأرفقها برسومات توضيحية وقدمها لأليس من دون أن يفكر في نشرها، لكن بعض أصدقائه حثوه على نشرها، فعدلها ونشرها عام 1865.

young-alice-liddell-photographed-by-charles-dodgson-aka-lewis-carroll-ca-1862-1384459603_b
الصورة الحقيقية لـ ” أليس ليدل” مصدر إلهام الكاتب في حكايته ” أليس في بلاد العجائب”

 

و هكذا بدأت مغامرات أليس الخيالية التي ذاعت شهرتها لأكثر من قرن، مؤثرة بذلك على الفنانين والموسيقيين والكتاب المعاصرين والشعراء والسورياليين، وصولاً إلى الكاتب الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورغيس الذي قال دائماً أنه يدين إلى لويس كارول وروايته هذه، بكل ما لديه من قدرة على التخيل، بالتالي استطاعت الحكاية أن تخلق إلهاماً ووحيًا لعالم غير مألوف من الخيال تناقل على إثره إلى المسرح والسينما.

مزيج كارول الخاص من الإبداع، الخيال ، تلاعب المفردات، جنون الشخصيات، وخفة الدم الغريبة، ناهيك عن المحاكاة الساخرة لعالم الواقع أكسبته منزلة أيقونية في ثقافة مشهورة مع شخصيات لا تنسى مثل أليس ، الأرنب مارس، دودو الحكيم، هاتر المجنون، اليرقة الزرقاء المدخنة، والقط تشيشاير. ويصور كارول في هذه الرواية عالماً يعكس في فوضويته وعشوائيته العالم الفعلي الخالي من أي مغزى والمليء بالتناقض والنفاق. ويجسد من خلال مغامرات أليس وملاحظاتها ولقاءاتها صورة مصغرة عن المجتمع، ويقدم نقداً لاذعاً لجميع مؤسساته.  

 

Alice-in-Wonderland
فيلم أليس في بلاد العجائب 2010

 

 

بعد النجاح الملفت لحكايته جاءت حكاية الكاتب الثانية بعنوان  “عبر المرآة ” في عام 1871 مع العلم أن شركة والت ديزني بدأت في أواسط 2014 بإنتاج تلك الحكاية لفيلم سينمائي ثان من بطولة الممثل صاحب الجزء الأول ” جوني ديب “

والحقيقة أن عمل لويس كارول ” أليس في بلاد العجائب ” يعتبر فاتحة لنوع من الحداثة الأدبية و الفكرية، وتمهيداً لظهور الكثير من الأنواع الأدبية المصاحبة لهذا النوع الغريب والمميز من الخيال.

كما قد كتب العديد من القصص الناجحة و منها :

  •  Through the Looking-Glass.
  • “The Hunting of the Snark”
  •  Jabberwocky.

 

” لا يمكنني العودة للأمس لأنني كنت حينها شخص آخر

 حافظ لويس كارول على خصوصيته حينما كان على قيد الحياة وبعد مماته معظم أوراقه الشخصية تم تدميرها: تسع من مذكراته الشخصية الـ13 نجت بالرغم من أن بعض الصفحات كانت ممزقة. هكذا أثيرت بعض الشكوك والعديد من الأساطير وسوء الفهم حول شخصية هذا الرجل، فضلا عن الانتقادات التي رافقت هذه الأمور من التحليلات النفسية المتضاربة حول طبيعته بما في ذلك أنه متعاطي مخدرات، غير كفؤ اجتماعيا، ويتعامل مع الأطفال بسلوك غير مألوف، لكن هذا لم يمنع أن قصصه للأطفال ماتزال الأكثر شعبية حتى اليوم . لم يكن كارول كاتب وفير الإنتاج للخيال الفريد فحسب بل  كتب أيضا  الأطروحات، النشرات السياسية، القصص القصيرة، الشعر، وكتب الرياضيات المدرسية. 

ولشخصيته دور في رفضه الشهرة والخروج إلى الأضواء و قد عبر بخطاب لأحد أصدقائه في عام 1891 عن كرهه الشديد للشهرة وقال لويس في الخطاب إنه يكره أعماله التي تسببت في معرفة اسمه الحقيقي وربطه بها وتحديق الناس به في الشارع وأن يتم معاملته كـ”أسد” في قفص يأتي الناس لمشاهدته، وأنَّه قابل الكثيرين ممن أحبوا الشهرة ولم يتفهموا أبدًا سبب استخدامه لاسم مستعار.

بالمجمل كان كارول عالم رياضيات موهوب ومدرس بالفطرة اخترع ألعاباً وأحجيات للصغار واليافعين جمعت التسلية والفائدة في آن معاً ، كان أيضا مصور متعطش للتصوير، حيث التقاط مئات الصور من مناظر طبيعية، وخاصة صورا للناس التي كانت جزئه المفضل من التصوير. بغض النظر عن الجدل القائم حول حياته، فإن أعماله قدُ ترجمت إلى عشرات اللغات، والعديد منها مايزال يُطبع في القرن الواحد والعشرين، بالتالي يبقى كارول أحد أكثر الرواة شهرة بين الصغار والكبار على حد سواء.

رحل لويس كارول عن عالمنا في 14 يناير عام 1898 وهو في السادسة والستين من عمره، تاركا خلفه الكثير من القصص والكتب وشخصية غريبة تعتبر لليوم محطا ً للجدل.

 بتلك الشخصيات التي أوجدها والدراسات التي كتبها أوجد نفسه كأحد أقطاب تجسيد الحلم و الخيال و صاحب الوجود في المنطق و الرياضيات.

بقلمرفيف حبابة

 

عن Abeer Shawqi

Translation/Coordination Manager

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …