الإرهاب اللغوي

الإرهاب اللغوي

في عصرِ الإنفتاح لما بعد الحدود، والمصالح السياسيَّة والإقتصاديَّة التي تَفرضُ وجود بُنى جديدة في المجتمعات المُستغَلة، بدأت منذ الآف السنوات تفرض أيضا لغة جديدة، بمغلفٍ أنيقٍ تَحمله الدّلالات والمَعاني، وفي باطنها إرهابٌ بكل ما تحمله الكَلمة من معنى، والتي استطاعت أَن تَحلّ محل اللغة الأصلية بقالب يكاد أن يكون بوليسي بامتياز.

فالمصطلحات التي تُطلقها الشُّعوب لتبرير إرهاب فكرةٍ، هو بحد ذاته ليس عادلا،ً وليس إنسانيا باًلمطلق، لأنها تقوم على مبدأ إلغاء الآخر، وهذا ما أسماه بعض الكتّاب بالإرهاب الدلالي في اللغة.

الإنسانية والحريَّةُ، الديمقراطيَّةُ والتنوير، مصطلحات لم يبرّئَها تاريخها، ولا نستطيع تجميع معانيها بمجلدات كاملة، فاللغة كما وصفها  بعض الفلاسفة  هي “علم آثار” يجبُ التنقيبُ عنها عميقًا ونَبحث عن المعاني التي عُمرها يزيد عن 3 قرون، بالتأكيد سَنصابُ بالذهول من معاني ترسخَّت في أذهاننا، كم تبدو خلاّبة  لناظريها !

لو ابتعدنا قليلا عن براءتِنا وساذجتنا، وأخذنا مثالا كلمة “الإنسانية  “humanism، تلك الكلمة الطيبةُ التي تبعثُ في النفسِ السَكينة والسَلام، وفي الحقيقة هي تحملُ أصلا يرتبط بالحرية التي تُفهم على أنها ضَمُّ الشعوب إلى الثقافة الأوروبية، ومن لم يندرج تحتها يُصبح لا إنساني، كملايين الهنود الحمر في السبعينات والثمانينات، والذين غرقوا داخلَ سفنٍ بدائيةٍ أثناء هِجرتهم إلى الأمريكيتين، لأنهم ببساطة كما وصفوهم الأوروبيون المهاجرون إلي أمريكا” المخلوقاتُ العاجزةُ عن العقلانيَّة”، لذلك هم لا إنسانيون، ومن هنا نستنتج أن الإنسانية مصطلح غارقٌ بدماء الهنود والزّنوج والكثير من الشعوب العاجزة قديمًا، ودول العالم الثالث حديثًا.

نعم، إن اللّغة تَمتلكُ قدرةً تدميريةً هائلةً للشعوب تَنخرُ الوعيَ نَخرًا، لتَحَلَّ مَحلَّ اللغة الأَصلية، قد تكون تلك القوة عبر العولمة أو التحديث وجعل اللغة أَكثرُ سلاسة لتدخل العقل، وهذا ما يُحدث تفريغٌ جوهريٌ للمعاني العميقة للغة، حتى الكتابُ المقدَّس بعد تغيير في بعض كلماته وتحديثه وصفه الشمّاس يوركا “أنه أشبه بمسلسل تلفزيوني، فرغ كثير من محتواه النفيس.”

وتفريغُ اللغة هو عمليةٌ بنائيةٌ تستهلكُ من الشعوبِ المُسيطرة ذكاءً ليس بالسهل، روسيا مثلًا لم تَقِفَ مكتوفةَ الأيدي للإرهاب الدلالي الذي مورس ضدَّها، إذ أن الأدب الروسي المُشبع بوصفهم الحي لمشاهدهم الحياتيّة  حصَّنها وحَماها من الهَجمات على لغتها، بعكس الشعوب التي لم تمتلك قاعدة دفاعية عن لغتها، فالحفاظ على اللغة مرتبط بحاملي اللغة، متى تم اختراقهم تُخترق لغتهم، وهذا يُحدث لاحقًا فراغًا لغويًا جائعًا للتيارات الأخرى، كما حدث في كثير من الدول العربية التي أصيبت بعقدة النقص في اللغة، أي أن لغتها غير قادرة على محاكاة لغات القوى العالمية، فلا نستغرب قيام متظاهر عربي يرفع شعارات باللغة الإنجليزية، لا يَفهم معناها، يريد أن يقول للعالم “أنا هنا”، وفي حقيقةِ الأَمر هو يقول “أنتم هنا”، يعرِّف نفسه وكينونته في قالب “الآخر” الذي يَستغلُه ويَنسف لغته نسفا.

ومن الأمثلةِ التي طُبعت بطابع أوروبي وتعرضت للتحديث هي قصة ليلى والذئب المعروفة، فانظروا جيدا إلى ما ترجمه سيرجى قر عن الكاتب فين جارنير في كتابه “حكايات الأطفال الصحيحة سياسيا”

(عاشت في قديمِ الزمانِ فتاةٌ صغيرةُ السن عرفت باسم القبعة الحمراء، طلبت أمها منها ذات مرّةٍ أن تحمل لجدتها سلة فواكه مع مياه معدنية، لكن لا لأنها عدَّت هذا العمل خاص بالمرأة، لأَن ذلك يعد عملا طيبًا).

نرى في الترجمة الحرفيَّة للنص، تحديث في القصة المعروفة يَخصُ وظائف المرأة ، فأضيفت العبارة التالية “لكن لا لأنها عدَّت هذا العمل خاص بالمرأة” وبذلك أصبح النص يرضي الجميع، المحافظين والمجدّدين وغيرهم، وبذلك اللغة تكون مقبولةً جدًا، ومفرغةً من جوهرها عبر تغير في دلالتها.

كون اللغة من أحد وسائل الإخضاع والتي تمتلك النفوذ والسلطة ما يكفي لتجلعنا عبيد لها، كما قال ماركس وشابهه بالقول تشرتشل” نحن عبيد الكلمات”، ونضيف ونحن أيضا عبيد أسياد الكلمات، والإرهاب الدلالي في الكلمات يجعلنا كفئران في أكثر من جحر واحد، والأشد بلاءً جعلنا نعتقد أننا أسود.

بقلم : مجد حثناوي

عن Ahmad Al Tobol

مؤسس و مدير موقع مجتمع ارابيسك و نادي شام للقراء

شاهد أيضاً

فالرقم قابل للزيادة…! | فلسطين المحتلة

فالرقم قابل للزيادة…! | فلسطين المحتلة             مظاهرات، اشتباكات بحجر مقابل بندقية، شهداء، جرحى، واعتقالات، حالة …