الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / جان دارك _ أيقونة فرنسا الخالدة

جان دارك _ أيقونة فرنسا الخالدة

جان دارك _ أيقونة فرنسا الخالدة

30 آيار 1431

” تقدمي فكل شيء طوع إرادتك “

  • البداية من هنا :

لم تثر شخصية في التاريخ جدلاً كما أثارته شخصية جان دارك ، تلك الفتاة القروية الريفية الفرنسية بمنظورها و أبعادها التاريخية الغامضة و منبتها الطبقي المتواضع ، فقد ولدت من أبوين فلاحين بسيطين، يعملان بالزراعة في قرية دومريميه التابعة لإقليم فوج أو ما يسمى حينها دوقية بارا ، حيث ولدت في عام ١٤٠٢، في أوقات عصيبة ، تعصف الحروب ببلادها فيما سمي بحرب المئة عام الدامية بين فرنسا وانكلترا ، حيث دخل البلدان في صراع على السلطة ، بهدف بسط الهيمنة على المقاطعات الفرنسية من قبل الإنكليز ،وجر التحالفات وخلق الصدامات بوتيرة مضطربة ، مما ساعد تلك الفتاة الأمّية على تولي شأن تاريخي في خضم الأحداث الجارية، و على تأكيد حضورها الفعال في معترك هذه الصراعات وقلب التوازنات.

640px-Joan_of_Arc_on_horseback

 

  • شعلة الثورة :

لقد كانت جان دارك  بمثابة الممهد لتولي شارل السابع الحكم ، و قيادة الجيش الفرنسي لعدة انتصارات . مما أثار الجدل واللغط عند الكثير من المؤرخين حول شخصية جان دارك الحقيقية ببعدها القيادي العسكري وبعدها العقائدي الروحي خاصة أنها أعتبرت قديسة الكنيسة الرومانية الكاثوليكية فيما بعد، فقد ادّعت رؤية الإله وهو يطالبها بنصرة شارل السابع ليتم إرجاع فرنسا من حكم الإنكليز ، وذكرت كتب التاريخ أنها عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها وعندما كانت تتجول وحيدة في أحد الحقول بدا لها زعيم الملائكة ميخائيل وكان معه كاترينا الإسكندرانية والقديسة مارغريت ، و طالبوها بالعمل لإجلاء الإنكليز عن الأراضي الفرنسية وإعادة ولي العهد إلى ريمس وذلك لتتويجه ملكاً على فرنسا كلها .وقد سردت تفاصيل لقائها بهم بأنهم كانوا غاية في الروعة و الجمال ، مبهري الإبصار  .

وقد كانت البداية ععندما استطاعت جان الوصول إلى اثنين من أصحاب النفوذ هما  : جان دومتز و برتران ، حيث التقيا بها في  أحد الإجتماعات العسكرية ، و طرحت توقعها حدوث انسحاب عسكري بالقرب من مدينة أورليان ، وقد أصابت في ذلك . وأيضا مما أشارت به حمل راية الجيش دون الدخول في القتال ، وقد أكد بعض المؤرخين على ضلوعها في خوض المعارك ووضع الخطط والإستراتيجيات الحربية المحنكة .

Ingres_coronation_charles_vii

  • المحاكمة الشهيرة :

سيقت الكثير من الروايات التي تتحدث عن بطولاتها وثباتها في أرض المعركة ، وصولاً إلى  الأسر الذي تعرضت له من قبل البورغنديين حلفاء الإنكليز أثناء خوضها القتال وبشكل مباشر وفعال .

و خضعت فيما بعد  لمحاكمة اعتبرت غير عادلة لسعي الإنكليز للنيل منها ، وذلك باتهامها بطريقة مفبركة بمخالفة التعاليم والقواعد الكنسية بالهرطقة .

 ومما ورد من ذكر لتلك المحاكمة حين سئلت من قبل القضاة إن كانت بنعمة من الله  ، فقد أجابت حينها :

” إن لم أكن ، فلعل الله يضعني هناك ، وإذا كنت ، فلعل الله يحفظني”

 مما حذا بالقضاة للذهول والحيرة فقد جاء جوابها لا يخالف التعاليم الكنسية التي تعتبر أن الإنسان يجهل مسألة إن كان بنعمة من الله أو لا ،و التي تنص عقوبة مرتكبها بالإعدام في حال إقراره بمعرفتها ، وهذا كله ما يخالف تعاليم الكتاب القدس .

 وبالرغم من كل ما سلف حُكمت جان دارك بالإعدام ، وقد تم إحراقها مرتين ليضحي جسدها رماداً بعد أثر ، مما استدعى من الفرنسيين الاستياء والغضب، و قد دفعهم هذا لإعادة المحاكمة عام ١٤٥٥م بمشاركة رجال دين من جميع انحاء أوروبا وفريق من اللاهوتيين وقد تم تبرئتها في نهاية المحاكمة وجعلها شهيدة دينية .

 و بعد مئات السنين اعتبر البابا بندكت الخامس عشر عام ١٩٢٠ م بأنها قديسة ، فأصبحت من أكثر القديسات شهرة في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية .

  • جان دارك و الوحي الفني :

لقد تناولها الكثير من الفنانين بلوحات وتماثيل ، من أهمها تمثال  موجود قرب مكان اعدامها من تنفيذ مكسيم سالتيه،  و قد تناولها هيرمان ستيلك بلوحته جان دارك وقت إعدامها .

 وأيضا الكثير من الأعمال الأدبية تناولت سيرتها ، منها مسرحية القديسة جان لبرنارد شو ، وقصيدة عذراء أورليان لفولتير ، وما تزال إلى يومنا هذا تقدم في العديد من الأعمال المسرحية والسينمائية والقصصية لتكون الأيقونة الفنية الفرنسية دون منازع .

640px-Joan_of_Arc_Roen_Burning_place_IMG_1602

  • و أخيراً :

جان دارك وما كتب عنها التاريخ من قديسة مُلهمة ، إلى محاربة تصول وتجول في أرض المعركة لا تثنيها ضربة سيف ولا رمية سهم  ، إلى امرأة برتبة قائد فذ يصنع النصر بحذاقته ويصوغ خطط النصر ، إلى الفيلسوفة التي أعجزت قضاة المحكمة بالبلاغة والفطنة ، حتى أنّ برناردشو اقتبس الكثير مما قالته أثناء المحاكمة في كتابة مسرحيته ( القديسة جان) وبشكل مباشر .

و هنا يجب علينا أن لا نستغرب كيف عمد الفرنسيون أثناء الحرب العالمية الثانية بجعلها أيقونة وشعار يعلق على صدورهم بكل فخر للدلالة على ما كانت عليه في قلوبهم من مكانة ، لتغدو أيقونة فرنسا المقدسة عبر التاريخ دون منازع .

Jehanne_signature

” توقيع جان دارك “

اعداد : رفيف حبابة

عن Rafif Habbabeh

خريجة اقتصاد تخصص ادارة أعمال أحلم برقي ثقافي في مجتمعنا السوري و العربي و ارابيسك هو الضوء الذي ينير هذا الطريق .

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …