الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / اليوم العالمي للمرأة | وقائع وأحداث ووضع المرأة في العالم العربي

اليوم العالمي للمرأة | وقائع وأحداث ووضع المرأة في العالم العربي

لقد قطعت النساء شوطا طويلا في هذا العالم، وعن جدارة استحق جهدهن وتعبهن في هذا المشوار أن يتم تكريمهن كل عام في الثامن من مارس. لكن لنكن واضحين، لا نحتاج إلى يوم عطلة معين كي نحتفل بالقوة والشجاعة المتواصلة للنساء، لأنهن رائعات على نحو مدهش بحيث ينبغي الاحتفاء بهن كل يوم، لكن من ناحية أخرى من اللطيف إيجاد يوم لتقدير العمل الدؤوب الذي تم على أيدي الأجيال السابقة سواء بإنجازاتهن التي غيرّت مسار التاريخ في الكثير من الأحيان، أو محاربتهن لبعض الثقافات البالية لتحسين مكانتهن في المجتمع، أو تضحياتهن على مذبح الحرية. وهذا بالضبط ما يعنيه اليوم العالمي للمرأة.

في حين أن المعركة لم تنته بعد، فإن التقدم الذي أحرزته النساء منذ اليوم العالمي الأول للمرأة في عام 1908 أمر مذهل بحق. فقد بدأ الأمر كله حينما تظاهرت 15 ألف امرأة في شوارع مدينة نيويورك ذلك العام لتطالب بساعات عمل أقل، ورواتب أفضل إلى جانب حق التصويت. وبالنظر لما لدينا اليوم فإننا لا نملك فقط حق التصويت، بل قد نتمكن قريبا من ترشيح النساء للرئاسة. نعم لقد تطلب الأمر قرنا من الزمن لنصل إلى ما نحن عليه اليوم، لكن هذا طبيعي فالتغيير لا يحدث بين ليلة وضحاها. وحده الله يعلم أين سنكون اليوم لو لم تقرر تلك النسوة الخروج والمطالبة بحقوقهن؟ إذا ً إضافة إلى إرسال ملايين الشكر والتقدير لهؤلاء النسوة الأبطال في الثامن من مارس في كل عام، تمعنوا قليلا بهذا اليوم، ماذا يعني وكيف سيستمر في أن يكون مصدر الإلهام لإحداث التغيير في جميع أنحاء العالم.

هنا بعض الوقائع حول هذا اليوم والتي ينبغي معرفتها:

 1. لم يكن 8 مارس يوم الاحتفال في البداية. 

وإليكم التسلسل الزمني لذلك وبعض القرارات التي اتخذت خلالها:

 1909-    الاحتفال باليوم القومي للمرأة في الولايات المتحدة في 28 شباط/فبراير. وعيّن الحزب الاشتراكي الأمريكي هذا اليوم للاحتفال بالمرأة تذكيرا بإضراب عاملات صناعة الملابس في نيويورك، حيث تظاهرت النساء تنديدا بظروف العمل.

1910 –   قرار الاجتماع الاشتراكي العالمي في كوبنهاغن اعتبار يوم المرأة يوما ذي طابع دولي، يراد منه تكريم الحركة الرامية إلى إتاحة الحقوق الإنسانية للنساء وبناء دعم لتحقيق حق النساء في الاقتراع. ولقي الاقتراح ترحابا كبيرا من المؤتمر الذي حضرته أكثر من 100 امرأة من 17 بلدان، بمن فيهم ثلاث نساء كن انتخبن في البرلمان الفنلندي. ومع ذلك لم يُعين يوم محدد لهذه المناسبة.

1911 –   كانت النتائج المترتبة على مبادرة كوبنهاغن هي الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة في 19 آذار/مارس في النمسا والدانمرك وألمانيا وسويسرا، حيث شارك ما يزيد عن مليون رجل وامرأة في تلك الاحتفالات. وفضلا عن حقي التصويت وشغل المناصب العامة، طالبت تلك الاحتفالات بحق المرأة في العمل وحقها في التدريب المهني والقضاء على التمييز ضدها في ما يتصل بالوظائف.

1913-1914 – أصبح اليوم العالمي للمرأة آلية للتظاهر ضد الحرب العالمية الأولى. فجاء احتفال النساء الروسيات بأول يوم دولي للمرأة —في آخر يوم أحد من شهر شباط/فبراير —في إطار حركة السلام. انضمت نساء كثيرات في أوروبا في 8 آذار/مارس في السنة التالية لذلك إلى تظاهرات منددة بالحرب والتعبير عن التضامن مع الناشطين.

1917 –   وبسبب ظروف الحرب، خرجت النساء الروسيات في تظاهرة وأضربن تحت شعار “من أجل الخبر والسلام” في آخر يوم من شهر شباط/فبراير (وهو اليوم الذي وافق يوم 8 آذار/مارس في التقويم الميلادي). وبعد أربعة أيام، تنازل القيصر ومنح الحكومة المؤقتة النساء الحق في التصويت.

1975 – في أثناء السنة العالمية للمرأة، عمدت الأمم المتحدة إلى الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في 8 آذار/مارس.

1995 – ركز إعلان ومنهاج عمل بيجين — وهو خارطة طريق تاريخية وقعتها 189 حكومة — على 12 مجالا مهما، وقدم تصورا للعالم تحظى فيه المرأة والفتاة بحقها في ممارسة اختياراتها، من مثل المشاركة السياسية والحصول على التعليم وكسب مداخيل والعيش في مجتمع خال من العنف والتمييز.

 2014 – ركزت الدورة الـ58 للجنة وضع المرأة — وهي الاجتماع السنوي للدول للنظر في القضايا المهمة ذات الصلة بالمساواة بين الجنسين وحقوق المرأة — على “التحديات والإنجازات في تنفيذ الأهداف الإنمائية للألفية في ما يتصل بالمرأة والفتاة”. وعرضت كيانات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المعتمدة للتقدم المحرز والتحديات المتبقية أمام تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. وكان لتلك الأهداف شأنها في تحفيز الاهتمام والموارد للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

2. تطور مضمون هذا اليوم وما يهدف إليه. 

لقد بدأ كمظاهرة جماعية من النساء الراغبات في ظروف عمل أفضل، رواتب أفضل وحق التصويت. لكن منذ ذلك الحين، تطور ليصبح توعية حول ما تفعله النساء في كفاحهم المتواصل من أجل المساواة بين الجنسين، وهو يوم يتم تسليط الضوء فيه على المشاكل التي تواجههن وتؤثر عليهن مباشرة في جميع أنحاء العالم.

3. إنه عطلة رسمية في أكثر من 25 دولة

يعتبر اليوم العالمي للمرأة عطلة رسمية في 27 دولة ومن ضمنها الصين، فيتنام، أوغندا، أفغانستان، كوبا وروسيا. 

اليوم العالمي للمرأة

4. يبدأ من اليوم ويحتفل به طوال الشهر.

الولايات المتحدة تستخدم شهر مارس بأكمله للاحتفال بتاريخ المرأة. إننا بالتأكيد نستحق شهرا كاملا ألا تعتقدون ذلك؟

5. غوغل تحب السيدات

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=ztMIb6nEeyg]

تأكدوا من تفقد صفحة غوغل الرئيسية في 8 مارس، حيث تستمر في تكريم المرأة بتقديم موضوع خاص بهن كل عام.

6. موضوع هذا العام وأهدافه.

لهذا العام 2016 حددت الأمم المتحدة موضوع هذه المناسبة بـ“الإعداد للمساواة بين الجنسين لتناصف الكوكب بحلول 2030”.

أما اهم الأهداف الرئيسية لجدول أعمال 2030 في هذا الاطار فهي:

  • ضمان أن يتمتّع جميع البنات والبنين والفتيات والفتيان بتعليم ابتدائي وثانوي مجاني ومنصف وجيّد، مما يؤدي إلى تحقيق نتائج تعليمية ملائمة وفعالة بحلول عام 2030،
  • ضمان أن تتاح لجميع البنات والبنين فرص الحصول على نوعية جيدة من النماء والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم قبل الابتدائي حتى يكونوا جاهزين للتعليم الابتدائي بحلول عام 2030،
  • القضاء على جميع أشكال التمييز ضد النساء والفتيات في كل مكان،
  • القضاء على جميع أشكال العنف ضد جميع النساء والفتيات في المجالين العام والخاص، بما في ذلك الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي وغير ذلك من أنواع الاستغلال،
  • القضاء على جميع الممارسات الضارة، من قبيل زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري، وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث (ختان الإناث).

المرأة في العالم العربي 

لدى المقارنة بين حال المرأة أمس، في القرن العشرين، وحالها اليوم، في القرن الحادي والعشرين، سنجد تقدّماً ملحوظاً في وضع المرأة العربية، يتمثل في زيادة إدماجها في المجتمع: ازدياداً في المشاركة السياسية، وازديادًا في نسبة النساء المتعلمات، وازدياداً في النساء المساهمات في الإنتاج الثقافي الإبداعي، بشكل لم يسبق له مثيل، وازديادا في مشاركة المرأة في مواقع صنع القرار، خاصة على المستوى الثقافي، وتراجعاً في نسبة الأمية الأبجدية بين النساء، وتزايدا في المشاركة في سلك القضاء.

أما المجال الذي لم يراوح مكانه فحسب؛ بل تدهور، حسب النسب العلمية والإحصاءات، فيما يتعلق بواقع المرأة، فهو المشاركة في سوق العمل المأجور. حيث سجلت الدول العربية أكبر نسبة بطالة بين النساء في العالم، طبقاً لتقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا)، الذي صدر في نهاية أيلول 2013 : بلغت نسبة بطالة النساء العربيات 40% من مجموع العاطلين عن العمل، مقابل 25% من القوى العاملة.

لقد خاضت النساء في القرن الماضي، ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، نضالاً عنيداً من أجل حقوقهن، وأثبتن كفاءة متميزة في ميادين عديدة؛ ما جعل النساء بعد ذلك يحصدن نتيجة ما زرعت النساء الرياديات في مجالات عديدة:  الكتابة، والصحافة، والسياسة، والطب، والفن، والفكر؛ نذكر روز اليوسف، التي شقت طريقها بنفسها، وأسست مجلة روز اليوسف، ثم عالمة الذرة الأولى في الشرق العربي: د. سلوى نصار، التي تعد تاسع امرأة، في هذا الاختصاص في العالم.  ونذكر الشاعرة فدوى طوقان، وعنبرة سلام الخالدي، التي ترجمت “الإلياذة” و”الأوديسة” و”الإنياذة” عن الإنجليزية، وكانت أول سيدة تلقي حديثاً نسائياً من إذاعة القدس. ونذكر الطبيبات الأوائل: سنية حبوب وهيلانة سيداروس. كما نذكر أسماء نساء خليجيات، أسسن لدور جديد للمرأة، مثل: خيرية السقاف، التي شغلت موقع أول مديرة تحرير، في منطقة الخليج العربي، في جريدة الرياض، كما كانت د. فاتنة أمين شاكر، أول مذيعة سعودية، قدمت برنامجاً نسائياً، بعنوان البيت السعيد، سنة 1381 هجرية. وبالإضافة إلى هذه المجالات، شاركت نساء عربيات في مؤتمرات عالمية: مثل هنا كسباني كوراني اللبنانية، التي شاركت في العام 1892، في المؤتمر النسائي الدولي، الذي انعقد في شيكاغو، ومريانا مراش السورية، التي اقامت صالوناً أدبياً في حلب، ثم هند نوقل اللبنانية، التي أصدرت مجلتها “الفتاة” العام 1892، وكذلك لبيبة ماضي هاشم، التي اصدرت مجلة “فتاة الشرق”، العام 1906م، كأول مجلة نسائية شهرية لبنانية، ثم أصدرت في الأرجنتين، مجلة “الشرق والغرب”، العام 1923م.

وعلى المستوى الثقافي الخاص، الذي يتمثل بالإبداع؛ فإن للمرأة العربية مساهمة أساسية فيه، منذ عصر النهضة. فمع نهاية القرن التاسع عشر، واتساع التعليم، ورغم التقاليد التي كانت تقيد المرأة، وتحصر دورها داخل أسوار البيت؛ إلا أن عدداً من النساء تمكنَّ من الوقوف إلى جانب الرجال، في التعبير الأدبي، عن الواقع الاجتماعي والسياسي، فبرزت كاتبات سياسيات، وكاتبات اجتماعيات، قمن بدور الريادة، وفتحن الأبواب أمام من يملكن الموهبة في كل أنواع الفنون والآداب، حتى بات لكل بلد عربي، عدد من النساء، اللواتي يقفن في الصف الأول مع الرجال، في مجال الإبداع الأدبي والفني، وصار في الوطن العربي شاعرات متميزات، مثل: فدوى طوقان ونازك الملائكة وسلمى الخضراء الجيوسي، وكاتبات قصة مثل: سميرة عزام وغادة السمان وحزامة حبايب، ورواية مثل: حنان الشيخ، وهدى بركات، وأحلام مستغانمي، ورضوى عاشور، وميرال الطحاوي، وسحر خليفة، وليانا بدر، وليلى العثمان، ونقد مثل: خالدة سعيد، ويمنى العيد، ورشيدة بن مسعود، وفكر مثل: ملك حفني ناصف (باحثة البادية)، ونوال السعداوي وفريدة بناني ومي زيادة وفاطمة المرنيسي وآسيا جبار. ولم تتوقف شهرتهن ولا تأثيرهن عند حدود إقليمية، فهناك من وصل إنتاجهن مترجماً إلى شتى دول العالم، وهناك سينمائيات معروفات على المستوى الدولي، مثل: مي المصري ومفيدة التلالي، وفنانات تشكيليات لهن موقعهن المتميز في التعبير، ومبدعات في غير ذلك من الفنون.

وبشكل عام يمكن القول ببروز أسماء، تقف إلى جانب أكثر الأسماء شهرة في العالم، قدرة وانتشاراً؛ ما جعل مشاركة المرأة العربية في الإنتاج الإبداعي الثقافي، ركناً أساسياً في هذا الإبداع، حتى وإن كانت بعد، لا تملك باعاً طويلاً في بعض ألوانه، مثل الموسيقا، تلحيناً وتأليفاً، والنحت، إلى حد كبير، وهو ما يشكل ظاهرة عالمية، لا تقتصر على المرأة العربية وحدها.

ورغم الكثير من الانتقادات التي وجهت، إلى الكتابات النسوية، التي تتحدث عن طبيعة المرأة، ومصادرة الصادق الصريح منها في أوقات كثيرة؛ لكن ذلك كله بات من الماضي، في معظم البلدان العربية، بسبب زيادة عدد المبدعات من النساء، وبسبب زيادة الوعي داخل المجتمع، وبسبب الانفتاح على العالم، عبر أجهزة الاتصال المختلفة.

ومع اتساع مشاركة المرأة في الإبداع، اتسعت مشاركتها في المؤسسات التي تخطط له، أو ترعاه، رسمية كانت أو مدنية. ويمكن القول إن تواجد المرأة العربية في المؤسسات بات جزءاً من طبيعتها، وإذا كان بدأ في الأساس، من باب الحرص على مساهمة المرأة في الواقع الثقافي، فقد أصبح الآن إنجازا للمرأة ذاتها، وجزءاً من حركة المجتمع، وموقع المرأة فيه. وقد بات من النادر غياب المرأة عن مواقع اتخاذ القرار في المؤسسات الرسمية (مثل: وزارات الثقافة، والمجالس العليا للفنون والآداب) كما بات وجودها في المؤسسات الشعبية المنتخبة (مثل اتحادات الكتاب) نتيجة لوجودها الفاعل في المجتمع ذاته. 

أوضاع المرأة العربية بين التقدم والتراجع

كيف نقرأ تراجع دور المرأة، في ضوء ما سبق من تطور وإنجازات؟ وما الذي يعيق تطور وضع المرأة، رغم التقدم الملموس الذي أحرزته، في مجالات المعرفة كافة؟
علينا أن نقف لدى معاناة النساء العربيات أولاً، ثم نقف لدى عوامل تقدمهن وأسباب تراجع دورهن. لا نستطيع الحديث عن نساء، تحملن السمات نفسها، في أنحاء الوطن العربي كافة؛ لكنا نستطيع الحديث عن سمات متقاربة للنساء، في الوطن العربي.

ورغم التقدم النسبي الذي أحرزته المرأة، في مجالات متعددة؛ إلا أنها تعاني معاناة مزدوجة: معاناتها كمواطنة عربية، تحمل هموم شعبها العربي، وآلامه وآماله، ومعاناتها كامرأة، تعاني التمييز بسبب جنسها؛ الأمر الذي ينعكس من خلال قوانين غير منصفة، تضعها في موقع التابع لا الشريك، الأمر الذي يضعف إمكانية استفادة الوطن من خبراتها وطاقاتها. وحين تحصل، من خلال نضالها الدؤوب، على بعض الحقوق، تتعرض لنقد شديد، من القوى المحافظة. وما زالت المرأة تناضل على جبهات عديدة: جبهة الفقر والتخلف، وجبهة الحريات التي لا تتجزأ، والتي تشتمل على حريتها كامرأة. وحريتها كامرأة، تقتضي النضال بشكل أساس، لتطوير قانون الأحوال الشخصية في بلدها، والمشاركة في النظام التنفيذي، والتشريعي، والقضائي، والإدماج في خطة التنمية.

إذا نظرنا إلى تقدم وضع النساء العربيات، كنضال عنيد تخوضه النساء، مع الرجال، المؤمنين بأهمية إشراك المرأة في مناحي الحياة جميعها؛ ندرك أن تقدم أوضاع المرأة لا يمكن أن يكون صاعداً على طول الخط. وإذا نظرنا إلى أهمية أن تأتي مكاسب النساء، نتيجة وعي مجتمعي، ورغبة في التغيير؛ لا منَّة وهبة من الحكومات العربية؛ ندرك سبب التراجع في بعض المكاسب التي أحرزتها النساء، والذي يمكن أن يتبعه صعود، أو أن يكون تراجعاً يحتاج وقتاً أطول، كي يترسخ في الحياة الاجتماعية العربية.

ومن الضروري من أجل ترسيخه، أن يتجسد هذا التقدم، في قوانين وتشريعات، تحمي هذا التقدم، وأن تتبناه القواعد العريضة من النساء، كي تكون له قابلية الحياة، بالإضافة إلى مسؤولية الدول، التي تنجح النساء فيها، في تثبيت قوانين عادلة، في تطبيق هذه القوانين. وهذا لا يخص البلاد العربية فحسب؛ بل هو مطلوب من دول العالم كافة، التي تعاني النساء فيها من عدم تنفيذ القوانين التي تم تثبيتها في نصوص قانونية.

من هذا المنطلق، نستطيع فهم ما يبدو متناقضاً، في وضع المرأة العربية أحياناً. نرى التقدم والتراجع يتصارعان معاً، حيث الغلبة للنضال في سبيل تثبيت المطالب أحيانا، ولتوازن قوى المجتمع أحياناً أخرى. وفي حين ينشغل العالم بالإحصائيات حول أوضاع النساء، من حيث مشاركتهن في مواقع صنع القرار، بشكل عام، وبموقعهن، ضمن البرلمانات المنتخبة، بشكل رئيس؛ تهتم النساء العربيات، بتطوير أوضاعهن بشكل شمولي، وتتضح أولوياتهن، التي تتمثل بتحقيق أمانهن، الذي يستوجب القضاء على العنف ضدهن، ومحاربة الفقر، وتمكينهن من الموارد، حتى يتمكنَّ من المشاركة السياسية، والمشاركة في البرلمانات المنتخبة.

وبناء على هذه الرؤية نستطيع فهم نتائج الدراسة، التي هدفت إلى فحص: أفضل بلد في العالم العربي يمكن العيش فيه، والتي أجرتها مؤسسة “تومسون رويترز”، منتصف الشهر.
نلاظ أن النساء العربيات فضَّلن العيش في جزر القمر ـ كخيار أول – التي تشغل المرأة فيها 3% من مقاعد مجلس النواب؛ على العيش في العراق ـ الخيار ما قبل الأخير/ رقم 21ـ التي تشغل النساء فيها 25.2% من مقاعد مجلس النواب.  
“كان أداء هذا الأرخبيل الواقع بالمحيط الهندي جيداً على كافة الأصعدة، ما عدا التمثيل السياسي. وتتمتع المرأة في جزر القمر بقدر لا بأس به من الحرية الاجتماعية، ويعاقب القانون على الانتهاكات الجنسية” .

وجاء في الترتيب الثاني سلطنة عمان، التي لا تشغل النساء في مجلسها المؤقت سوى 2%.
“تتمتع المرأة العمانية بحماية اجتماعية أفضل مما هي عليه في دول عربية أخرى” .
بينما ليبيا التي يشغل النساء فيها 17% من مقاعد البرلمان؛ حلت في المركز التاسع.
“جاءت ليبيا بين أفضل الدول من حيث التمثيل السياسي؛ لكن الخبراء يقولون إن انعدام الأمن والفقر ونقص التعليم، من أكبر بواعث القلق بالنسبة للنساء” .
أما مصر، ورغم تحقيق النساء إنجازات متميزة عبر نضالهن الطويل؛ إلاّ أن ازدياد العنف والتحرش الجنسي، وانهيار الأمن؛ جعلها خياراً أخيراً للنساء؛ في الوقت الذي انخفض تمثيل المرأة في البرلمان إلى 2%.

أما الدولة التي اعتبرت النساء أنها أسوأ بلد في العالم العربي يمكن للمرأة أن تعيش فيه؛ فهي مصر:
“العنف الجنسي، والتحرش، والاتجار بالنساء، إضافة إلى انهيار الوضع الأمني، وارتفاع معدلات ختان الإناث، وانحسار الحريات منذ ثورة 2011.. كلها دفعت بمصر إلى قاع القائمة” .
ونجد أن بعض البلدان العربية، التي حققت المرأة فيها إنجازات متميزة مثل تونس، تحتل الموقع السادس بالنسبة لأفضل بلد يمكن العيش فيه، في الوقت ذاته التي تحتل فيها النساء موقعاً متقدماً بالنسبة لمقاعد البرلمان: 27%.
“يعرف عن تونس منذ فترة طويلة أنها من أبرز الدول العربية التقدمية. وأباحت تونس الإجهاض عام 1965، كما يمكن للمرأة التونسية أن تنقل الجنسية إلى زوجها الأجنبي” .
وهذا مؤشر على أولويات النساء، المتعلقة بواقعهن، وحيواتهن، فالنساء اللواتي يصنعن الحياة، يرغبن في العيش في عالم خال من العنف، بالدرجة الأولى، ومن التمييز ضدهن، بالدرجة الثانية، كما يرغبن في القضاء على الفقر، والحصول على التعليم، وقبل كل ذلك؛ يطمحن في أن يتنفسن الحرية، على المستويات الخاصة والعامة.

أثر الثقافة العربية السائدة في تراجع دور المرأة العربية

علينا ان نفرِّق بداية بين الثقافة العربية ككل، التي احترمت النساء، ووثقت إنجازاتهن، عبر العصور ، وبين الثقافة العربية، التي رسَّختها مفاهيم شعبية، لم يجر الوقوف لديها بشكل نقدي جدي وشجاع، تحت عنوان: تقديس التراث؛ الأمر الذي ثبَّت كثيرا من هذه المفاهيم، في الثقافة الشعبية الجماعية، وساهم في تكريس صورة نمطية للمرأة، يصعب التخلص منها.
رسخت في الذاكرة الشعبية صورة سلبية للمرأة، تربط بينها وبين الخيانة والمكر والمراوغة والخداع. كما أن مفهوم “الطبيعة الأنثوية الدائمة” مطبوع بقوة في أذهان الناس، فالمرأة “جاهلة”، و”عاطفية”، و”ضعيفة”، وهي لا تستطيع التحكم في أفعالها، كما أنها رقيقة، وحساسة، وحنون، وكل هذه الصفات مرتبطة بالتركيب الجسدي للنساء، وبأنها ملحق للرجل، كابنة، أو زوجة، أو أم.

مثال: في القرية الفلسطينية، تبرر تبعية المرأة للرجل في القول: ” النسوان لهن نصف عقل”، كما أن المرأة غير قادرة على الاختيار الحكيم: “إن دشّروا البنت على خاطرها يا بتاخذ طبال يا زمار”، ويقال عن الرجل الضعيف بأنه “مثل المرا”. “لا تاخذ رأي المرة ولا تتبع الحمار من ورا” “إسمع للمرة ولا تاخذ برايها”.

وفي الأساطير القديمة، ترد المرأة والحية والشيطان وجوهاً للبطل نفسه ، كما تتركز الأسطورة التي أوردها الطبري أن إبليس بعد أن عرض نفسه على دواب الأرض، في أن تحمله لدخول الجنة، بعد أن منع من دخولها؛ لم تحمله سوى الحية، بعد أن وعدها بالحماية من بني آدم، فحملته إليه، فكلم إبليس حواء، فكانت الخطيئة الأولى، وعقابها المعروف، هو الطرد من الفردوس، وإدماء حواء الشهري، المتمثل بالحيض، وذلك العداء الأبدي بين الرجل والمرأة والشيطان والحية. “إهبطوا بعضكم لبعض عدو”، هذا ما يؤكده الطبري، في تاريخ الرسل والملوك.

أما بالنسبة لخلق حواء من ضلع الرجل، فهي أسطورة مستقرّة ومنتشرة بكثرة، على طول الشرق الأوسط، تؤكد سيادة الرجل، وتنقص من مساواة المرأة به، وتوحد بين المرأة والحية والشيطان والجنية. وحين نعود إلى القرآن الكريم، لنبحث عن أثر هذه الأسطورة؛ لا نجد أثراً لها؛ إذ إن الله تعالى يؤكد أن مصدر الخلق واحد، وأنه خلق الرجل والأنثى من نفس واحدة: “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء” .

ومقابل الأمثال والحكايات التي تعبر عن ميل المرأة للخيانة، والتي تتحدث عن مكرها ودهائها؛ هناك حكايات تطرح رجاحة عقل المرأة، مثل حكاية بنت الكندرجي، التي تدل على ذكاء المرأة وفطنتها، فبنت الكندرجي ترفض الزواج بابن الملك؛ إلا إذا تعلم صنعة، فهي ترفض الزواج من رجل عاطل عن العمل، حتى لو كان ابن ملك. وهذا يدل على وجود ثقافة مضادة للثقافة السائدة، تحاول فرض نفسها، وتلعب المرأة دوراً بارزاً في هذه الثقافة، يكاد يتساوى مع دورها المادي، على أرض النضال، من أجل توفير الخبز” .

وهنا تبرز أهمية نشر هذه الثقافة وترسيخها، حتى تقف في مواجهة الثقافة السائدة، التي نال منها العلم الحديث، حين أكد أن التركيب الفسيولوجي للمرأة لم يعد تبريراً مقنعاً لتقسيم العمل المنزلي أو الخارجي (عمل الرجل) على أسس جنسية .

وقد ساهم علماء الأنثروبولوجيا الحضارية بشكل فعّال، في دحض نظرية “الطبيعة الأنثوية”، في دراساتهم عن المجتمعات البدائية، وذلك عندما برهنوا أن “الأمومة”، و”الأبوة”، مفهومان اجتماعيان. كما أوضحوا أن الصفات الملاصقة للطبيعة الأنثوية، و”الطبيعة الذكرية” (كالرقة والخشونة، والاعتماد، والاستقلال، والعاطفية، والهدوء) هي في الواقع صفات مكتسبة وليست ثابتة .

من الضروري أن تجري غربلة الموروث، ضمن نظرة نقدية للتراث، تضع الإيجابي منه في الصدارة، وتعيد امتلاكه، على أساس معرفيّ علمي معاصر. تستبعد صورة الإنسان العربي القدري، مسلوب الإرادة، وتستحضر المشرق والمبدع من تاريخ الإنسان العربي وثقافته، وفي القلب منها المساهمة الفاعلة للمرأة العربية في مناحي الحياة كافة.
وبعد،
لن تستطيع المرأة العربية أن تساهم بشكل فاعل، في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ في غياب القانون، وغياب العدالة الاجتماعية، وحين يسود الأمان؛ وتتحقق العدالة الاجتماعية؛ تتمكن النساء من المساهمة الفاعلة في صنع السلام.

عبير شوقي 

المصادر: 

المرأة العربية والثقافة العربية فيحاء عبد الهادي
تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا).  أيلول 2013
تقرير حقوق المرأة في العالم العربي.  مؤسسة تومسون رويترز. نوفمبر/ تشرين الثاني 2013. ص. 7.
موقع الحوار المتمدن. المرأة المغربية بين مدونة الأسرة والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. 17 أيلول 2004.
تقرير تقدم المرأة العربية 2012/ تقرير نساء العالم: سعياً لتحقيق العدالة. هيئة الأمم المتحدة 2011- 2012.
تقرير حقوق المرأة في العالم العربي.  مؤسسة تومسون رويترز. نوفمبر/ تشرين الثاني 2013. ص. 8، 9.
Thomson Reuters Foundation-Tue, 12 Nov 2013
“المكبوت في الزمن المكتوب”، في زمن النساء والذاكرة البديلة. تحرير: هدى الصدة، وسمية رمضان، وأميمة أبو بكر. ملتقى المرأة والذاكرة. القاهرة. 1998: ص. 15.
 تماري. سليم. “الطبيعة الأنثوية” الركيزة الأيديولوجية لتبعية المرأة في المجتمع العربي، في التراث والمجتمع، جمعية إنعاش الأسرة البيرة، إبريل 1974: ص. 63.
عبد الحكيم. شوقي. الفولكلور والأساطير العربية. بيروت: لبنان: دار ابن خلدون،  1983. ص. 127.

عن Abeer Shawqi

Translation/Coordination Manager

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …