الرئيسية / قراءات كتب / لماذا الضجة ألا يقع الشهداء في الحب!

لماذا الضجة ألا يقع الشهداء في الحب!

لماذا الضجة ألا يقع الشهداء في الحب!

رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان

بقلم المهندس : وصفي عبد المولى

من لم يعش زمن المراسلات الورقية،ذاك الزمن الذي يملأ الانتظار فيه زوايا القلب والمكان ،لحظة استلام الرسالة وإعادة قراءتها عشرات المرات باحثين عن ما تخبئه السطور وما تخفيه الأحرف من تقلبات نفسية للمرسل والأحداث المحيطة به، لتخبرهم الورقة البيضاء أكثر مما يتوقعون ، لن يعرفوا الابتسامة عند كلمة والدمعة عند الأخرى، وكم مرة تلمس أو يلمس المستقبل توقيع المرسل ويتحسسه إن لم يعانقه ،حتى لن يعرف جيل البرامج والمراسلات الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي رائحة الرسالة التي تعبق عطرا ،و لن يعرفوا لذة الانتظار الطويل .

كتاب “رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان ” الذي صدر الكتاب عن دار الطليعة في بيروت في الذكرى العشرين لاستشهاد كنفاني . نتصفحه الآن بعد أربعين عاما على استشهاده وبعد مرور عشرين عاما على نشر رسائله،و لا اعتقد أن النصف الآخر من الحقيقة الذي طالب به الجميع _ رسائل غادة إلى غسان _سوف يظهر يوما … رغم انعكاس جزء منه في رسائل غسان التي كانت ردودا على رسائلها.

في الحقيقة إن رجل كغسان كان يناسبه امرأة كقضيته عنيدة وقاسية ومتفردة فعنادها _حسب قوله_زاد من حبه لها، كنقطة حبر حمراء سقطت على وسادة بيضاء،و جعل منه شهيد الحب الذي فجر نفسه آلاف المرات في رسائله قبل أن يتحول إلى شهيد القضية ، تلك الكلمات التي لا تنضب منه ومشاعره التي لا تنتهي .لكننا لن نطالب أكثر بنصف الحقيقة الغائب من الرسائل التي جميعنا يعتقد أن ” غادة ” تحتفظ ببعض مسوداتها على الأقل .

غسان……

لماذا ننظر للرجل أنه بلا قلب – وللأنثى بأنها بلا عقل . صدقا أحرفك أبكتني يا صديقي الشهيد، ودخانك مازال يعبق في جميع رسائلك وكتاباتك ،جميل هو قلبك جميل عناد قلمك ، جميل هو اسمك .. .. شهيد أنت منذ لحظة ولادتك ،و إحساسك بأنك لن تكمل الأربعين من عمرك ،جعلك تخبر محبوبتك بان تنشر جميع رسائلك لتخرج للعالم بعباءتك الوردية ،و أن تجمع رسائلك في الحب أجزاء جسدك المبعثرة في القضية.

في ذكرى وفاته العشرين لم يكرمه أحد كما كرمته غادة بنشر هذه الوثائق، لتحولها من ذكرى شخصية إلى ذاكرة أدبية،و هذه ليست أول قصة العشق فنذكر قيس وليلى،ورسائل الياس أبو شبكة إلى حبيبته، ورسائل خليل الحاوي إلى محبو بته، وجبران خليل جبران إلى مي زيادة .

لكم الفخر أيها الفلسطينيون أن يكون رمزكم الأدبي عاشق استطاع أن يجبل الثورة بالقضية… بالأرض… بالمرأة التي أحب. لرجل اكتمل بالموت، و عاد قلمه العنيد ليعيش معجزة أخرى، قلمه المشاكس الهارب من زمن الخوف إلى زمن الخوف لتعيش كلماته المتمردة مثله.

غسان كنفاني

إن الحياة معقدة أكثر مما ينبغي لأشخاص سيعيشون أربعين سنة على الأكثر .

  • “غسان كنفاني في كتاب محاكمة حب”

قالت غادة السمان مدافعة عن نشرها رسائل غسان في كتابها محاكمة حب: حرام أن تضيع كلمة واحدة كتبها غسان , فقد كان مبدعا حقيقيا . – لم اصدر الكتاب كمن يحوك مكيدة ، بل أعلنت عن رغبتي بذالك على صفحات الصحف عام 1989، و وجهت نداء في صفحتي الأسبوعية في مجلة الحوادث إلى من بحوزتهم رسائلي إلى غسان أناشدهم إعادتها إلي لأنشرها مع رسائله، كي لا تصدر الرسائل حاملة أحد وجوه الحقيقة بدلا من وجهيها، و أحدا لم يرد على النداء و أو يطلب مني عدم نشر الرسائل . و إن كانت كل قيمة غسان في نظرهم أن العدو قتله ،فأنا أرى غير ذلك، و أجد كنفاني مبدعا أبجديا ، فقد صادقت حرفه حيا وكتبت عن إبداعه قبل رحيله ولم أنسه ميتا.

كما قالت غادة في نفس الكتاب أنها سوف تنشر رسائل باقي عشاقها تتابعا بعد نشر رسائل غسان ،ليس لأنها سوف تنشرهم حقا_لأنه لم ولن يكون أحد قد أحبها كغسان_ لكن لتسكت الأصوات من حولها ليس إلا .. مع العلم أنها تزوجت بعد فترة من بشير الداعوق، الذي اعترفت بحبه وبدعمه الدائم لها حتى في نشرها كتاب رسائل غسان.

  • بعض الاقتباسات من رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان :
 
 – وأنا اعرف أن غبار الأيام سيترسب على الجرح ولكنني اعرف بنفس المقدار انه سيكون مثل جروح جسدي تلتهب كلما هبت عليها الريح .
– سأمضي وأنا اعرف أنني احبك , وسأظل انزف كلما هبت الريح على الأشياء التي بنيناها معا .
– حاولي أن تكتبي لي : فندق سكارابيه شارع 26 يوليو , القاهرة فسيكون أحلى ما يمكن ان يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني اعرف انك لن تأتين .
– وليلة امس لم انم فقد كان الصداع بتسلق الوسادة كجيوش مهزومة من النمل.
– ولن يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فقدت قبلك وسأفقد بعدك كل شيء .
– أقول لك همسا ما قلته اليوم لك على صفحات الجريدة ،سأترك شعري مبتلا حتى أجففه على شفتيك ،وامام عيني تتساقط النساء كان اعناقهن بترت بحاجبيك .
– أدهشني حين وصلت إلى القاهرة، أنني لم أجد رجلا ينتظرني هناك ،ويقول هذه رسالة لك ياسيدي من لندن .
– عزيزتي غادة .. يلعن دينك ! مالذي حدث ؟ تكتبين لكل الناس إلا لي ؟
– دونك أنا في عبث .. اعترف لك مثلما يعترف المحكوم أخيرا بجريمة لم يرتكبها وهو في طوق المشنقة ، كي يبرر لنفسه نهاية لا يريدها .
– كنت تحسبين نبضي ونبضك في جدول اللغريتميات ،كنت تختارين مني أسوا مافي وتمزجينه مع ما اخترت من أسوأ تجاربك وكانت الحصيلة قزما …
– وقد أدى الارتطام إلى فجيعة لاهي علاقة ولا هي بتر .. .اتعتقدين أننا كنت أكثر عذابا لو استسلمنا للقطيعة أو لو استسلمنا للعلاقة ؟
– ويا لكثرة الاشياء التي تذكرني بك : الشعر الاسود حين يلوح وراء أي منعطف يمزع جلدي ،النظارات السوداء ماتزال تجرحني .. السيارات ،الشوارع ،الناس ، الأصدقاء ، الذين تركت على عيونهم بصماتك ،المقاعد ،الاكل ،الكتب ، الرسائل ، المكتب ،البيت ،الهاتف كل ذلك.
– وحين أكتب ليس ثمة قارئ غيرك .
– المرأة توجد مرة واحدة في عمر الرجل، وكذالك الرجل في عمر المرأة وعدا ذلك ليس إلا محاولات للتعويض .
– أملي أن ألقاك مثل أملي في اغن ألقى طفولتي .
– كنت أذوب كشمعة فوق زجاجة .
– إن الحياة معقدة أكثر مما ينبغي لأناس سيعيشون أربعين سنة على الأكثر .
– حين لمست أصابعي جسدها ذات ليلة راودني شعور مخيف أخافني حقا ، بأنني لم ألمس امرأة من قبل .
الكثيرون من الكتاب والصحفيين والنقاد والروائيين تحدثوا عن كتاب ” رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان “، سلبا وإيجابا، منهم من نظرة إليها كنرجسية حمقاء تشوه صورة البطل قضيتة التي كان أحد أعلامها باعتبارهم أن غادة قتلت البطل مرة أخرى ،ومنهم من دافع عن هذه الرسائل واعتبرها صادقة وحقيقية ،وأنها الوجه المخفي منذ عشرين سنة لصفحات حب تدخل اﻷدب وتتحول إلى وثائق عربية مهمة .
وهل حرف الغين في بداية اسميهما على سبيل الصدفة أم انه أيضا تواطؤ من القدر معهما ؟!!!
سأذكر بعض الاقتباسات من مقتطفات لآراء نقدية أرفقت مع الكتاب :
أحمد عساف:غادة استمرت وواصلت مسيرتها بصبر ألف ايوب ،ولو كانت التهم والتجريحات ومحاولات النيل منها قد أفلحت معها كما حصل مع اخريات لتوقفت منذ البداية.
اسماعيل مروة:أظن أنه لو تهيأ لغسان اليوم أن يقرأ ،فإنه لن يختار إلا التعلق بغادة أكثر، وربما تحويلها إلى عجينة من تراب الوطن .
الياس العطروني: أيها الفلسطينيون ، إن رمزكم الأدبي كان يتمنى تقبيل قدمي سيدة ما .. اركعوا إذن لن تنفع كل هذه الحجارة .. وكل هذي الدماء الفتية .
آمال مختار: لكنك عظيم . تسأل لماذا … ليس لأنك مناضل شجاع ليس لأنك حملت فلسطينك على ظهرك، وتجولت في الدنيا وليس لأنك تفتت ذات صباح لتصبح شهيد .. بل لأنك كنت انسانا . إنعام كجة جي:إن الرجال لا يبكون هي عبارة لا وجود لها إلا في قوابيس الجلادين و التماسيح .
بسام حجار:إن ما أقدمت عليه غادة السمان عبر نشرها الرسائل لا يخلو من الجرأة مهما كانت الدوافع اليه .
بيار شلهوب:لا شيء يمنع ان يكون الإنسان مناضلا إلى جانب كونه عاشقا حتى العظم .
حسيب كيالي:نرجسية مقيتة لا تليق بمرتكبيها وهم في ميعة العمر ،وكيف بهم وقد ارتدوا إلى أرذله مثل السيد نزار قباني و السيدة غادة السمان.
رسمي أبو علي:هل اختارت غادة السمان نشر الرسائل في الوقت الذي أحست فيه أنها أصبحت توازيه في المكانة بعد عشرين سنة من استشهاده .
مروان الخطيب:رسائل غسان الى غادة تفوق الوصف .
ممدوح عدوان: يبدو أن غسان كنفاني لم يكن حريصا على سرية هذه العلاقة ، المرحوم كنفاني عمل في أواخر الستينات رئيسا لتحرير الملحق الأسبوعي لجريدة الأنوار اللبنانية ،وكان يكتب صفحة أسبوعية فيها عن خفق قلبه وكل أصدقائه يعلمون أن تلك الصفحة كانت لغادة .
د.ناديا خوست:تقول أمهاتنا لكل حبة قمح مسوسة كيال اعمى .
نصرة الشطي: أثار الكتاب الكثير من الجدل والغبار والانتقاد والاعجاب ،حتى أن مجلة الصياد أطلقت على الحرب التي شنها البعض على غادة حرب داحس والغبراء .
هند أبو شعر: لماذا الضجة .. ألا يقع الشهداء في الحب ؟ !
وائل قنديل: يذهب نقاد عديدون إلى أن ما فعلته غادة السمان نوع من التثميل برفات كنفاني.
يوسف حمدان: ولعلك أي غسان .. ولعلك بنشرها كنت أكثر حظا من غيرك الذين أحبوا من هن لا يملكن جرأة غادة وصدقها .
– لمحة عن الشهيد غسان كنفاني :
روائي وقاص وصحفي فلسطيني تم اغتياله على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية) الموساد (في 8يوليو 1972)، عندما كان عمره 36 عاما، بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت. كتب بشكل أساسي عن حرية فلسطين، وهو عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .في عام 1948 أجبر و عائلته على النزوح فعاش في سوريا ثم في لبنان حيث حصل على الجنسية اللبنانية. أكمل دراسته الثانوية في دمشق وحصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952 . في ذات العام تسجّل في كلية الأدب العربي في جامعة دمشق ولكنه انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، انضم إلى حركة القوميين العرب . ذهب إلى الكويت حيث عمل في التدريس الابتدائي، ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية ( 1961 ) ، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة “المحرر” اللبنانية، وأصدر فيهاملحق فلسطين، ثم انتقل للعمل في جريدة الأنوار اللبنانية، وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم” مجلة الهدف “وترأس غسان تحريرها، كما أصبح ناطقا رسميا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. تزوج من سيدة دانماركية “آنن”ورزق منها بولدين هما فايز وليلى . أصيب مبكرا بمرض السكري. له كثير من المؤلفات والقصص والمسرحيات والبحوث الادبية .
– لمحة عن السيدة غادة السمان :
كاتبة وأديبة سورية .ولدت في دمشق لأسرة شامية برجوازية، ولها صلة قربى بالشاعر السوري نزار قباني .والدها الدكتور أحمد السمان حاصل على شهادة الدكتوراه من السوربون في الاقتصاد السياسي، وكان رئيسا للجامعة السورية ووزيرا للتعليم في سوريا لفترة من الوقت. تأثرت كثيرا به بسبب وفاة والدتها وهي صغيرة. كان والدها محبا للعلم والأدب العالمي ومولعا بالتراث العربي في الوقت نفسه، وهذا كله منح شخصية غادة الأدبية والإنسانية أبعادا متعددة ومتنوعة. سرعان ما اصطدمت غادة بقلمها وشخصها بالمجتمع الدمشقي الذي كان “شديد المحافظة “إبان نشوئها فيه. أصدرت مجموعتها القصصية الأولى “عيناك قدري” في العام 1962 ،واعتبرت يومها واحدة من الكاتبات النسويات اللواتي ظهرن في تلك الفترة، مثل كوليت خوري وليلى بعلبكي، لكن غادة استمرت واستطاعت أن تقدم أدبا مختلفا ومتميزا خرجت به من الإطار الضيق لمشاكل المرأة والحركات النسوية إلى آفاق اجتماعية ونفسية وإنسانية.
قالت غادة : نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني،يعز علي أن أرى الغبار يتراكم فوق وجهه ، والعنكبوت يغزل خيوطه ببطء ولكن باستمرار فوق حروف اسمه ، أخشى أن يغوص في لجة النسيان هو وكل ما كان يمثله .. لا جائزة أدبية باسمه ولا شارع في مدينة عربية يخلده ولا مهرجانا أدبيا يكرسه … أين “جائزة غسان كنفاني ” للرواية مثلا ؟ رجل لم يعرف المساومة أو الرياء ولا رقصة التانغو السياسية، خطوة للأمام وخطوتان إلى الوراء .
صورة الغلاف الشهيد غسان كنفاني وغادة السمان والفنان بهجت عثمان في تلفريك جونيه , لبنان .

 

عن Wasfy abd almawla

م. وصفي عبد المولى ، مهندس معماري ، كاتب وناشط مدني لاعنفي من سوريا .

شاهد أيضاً

قراءة في رواية جنود الله للكاتب السوري فواز حداد

قراءة في رواية جنود الله للكاتب السوري فواز حداد اعداد : أصالة عثمان  لمحة عن …