الرئيسية / قراءات كتب / قراءة في رواية | يا دِمشق وداعاً | لـ غادة السمان

قراءة في رواية | يا دِمشق وداعاً | لـ غادة السمان

قراءة في رواية | يا دِمشق وداعاً | لـ غادة السمان

غادة السمان أدبية سورية من مواليد مدينة دمشق عام 1942، ابنة الدكتور أحمد السمان الرجل العصامي الذي عمل مؤذناً في الجامع أثناء دراسته الجامعية حتى يعيل نفسه.. ليصبح بعدهاً دكتوراً جامعياً و عميد لكلية الحقوق في جامعة دمشق و من ثم وزير للتربية و التعليم.. والدتها سلمى رويحة مدرسة اللغة الفرنسية التي توفيت عندما كانت غادة طفلة صغيرة، تأثرت غادة بوفاة والدتها جداً ولكن وجود والدها بجانبها مدّها بالقوة.. قضت غادة مراهقتها في بيتها المتواضع و تلقت علومها في مدرسة البعثة العلمانية الفرنسية بدمشق و أيضاً بمدرسة التجهيز الفرنسية.. ظهرت موهبتها وهي بالثانوية العامة و نشرت قصصها بمجلة المدرسة تحت عنوان “من وحي الرياضيات” .. تشجيع معلمة اللغة العربية لغادة جعل غادة تكتب العديد من القصص القصيرة لمجلة المدرسة .. تقول غادة أن والدها أراد منها أن تصبح طبيبة ولكن غادة بعد أن دراسة المرحلة الثانوية قررت دراسة الأدب الانكليزي.

 أول مقالة كانت لها عن تحرير المرأة كتبتها عام 1961،و في سنة 1962 نشرت مجموعة من القصص القصيرة بعنوان “عيناك قدري” ..

دخلت غادة الجامعة و عملت بذات الوقت كأمينة مكتبة و مدرّسة لغة إنكليزية و قدمت برنامج إذاعي شعري عن الأدب العالمي و تخرجت من الجامعة السورية عام 1963 .. حصلت على شهادة الدراسة العليا في الأدب الانكليزي ..

وفي  سنة 1964بدأ اسم غادة السمان يصبح معرفا لدى الكثيرين وخصوصا بعد أن انتقلت إلى بيروت لدراسة الماجستير في الأدب الانكليزي.

عَملت غادة أيضاً كمعلّمة في إحدى الثانويات و انتقلت بعدها للعمل في المجال الصحفي الذي أصبح مهنتها الدائمة .. عام 1965 بزغ عملها “لا بحر في بيروت” و من بعده “ليل الغرباء” عام 1966 حيث أظهرت هذه الرواية النضج الكبير الذي وقت إليه عادة السمان في مسيرتها الأدبية، و لكن طموح غادة لم يتوقف هنا .. فقد سافرت إلى لندن عام 1966للإعداد للدكتوراه بالأدب الأنكليزي إلا أنها لم تحصل عليها و فقدت بالتالي الرغبة في متابعة الحياة الأكاديمية..

ثلاثة أعوام كانت عصيبة جدا على غدا  غادة السمان حيث توفي والدها و صدر عليها حكم بالسجن لمدة 3 أشهر لأنها غادرت سوريا بدون إذن من الحكومة و فقدت عملها الذي كانت تعتاش منه كمراسلة لأحدى المجلات اللبنانية، بالإضافة لمقاطعة أهلها لها .. هذه الفترة كانت من أصعب الفترات بحياة غادة السمان، التي رفضت أن تستسلم و استمرت بمساعدة مجموعة من الأصدقاء و منهم الأديب غسان كنفاني.. هذه الفترة امتدت بين عامي 1966و 1969 حيث تنقلت فيها بين لبنان و بلدنان أوروبية أخرى.

  • فسيفساء التمرّد :

تقع الرواية في 204 صفحات، شبيهة بجميع مؤلفات غادة الصادرة عن “منشورات غادة السمان” .. خط اسم الرواية الفنان حسين ماجد، أما صورة الغلاف الأول فهي للفنانة الشاعرة سوزان عليوان تظهر فيها أنثى حزينة يخيّل للقارئ أنها غادة.. ترتدي وشاحاً برتقالي اللون، يحمل بدوره مدينة بجانبها الأيمن خطوط سوداء تشبه إما عصافيرٌ تركتها مهاجرة، أو طائرات حربية متجهة إليها.. أعتقد أنها دمشق. أما لوحة الغلاف الخلفية للكتاب فهي غادة السمان في كاريكاتور للفنان حسن أدلبي.. نجد بجانبها اقتباسين لعبده وازن و آخر لسارة ضاهر تقول فيه “يُمثل أدب غادة السّمان اليوم تياراً أدبياً مهمّاً علينا ألا نضيق بما فيه من تطرّف و جُرأة. لقد فتحت أمام الأدب العربي آفاقاً فكرية و فنية و أسلوبية رائعة.. و كانت ثائرة آمنت بالحرية. (2014)

تعود لنا زين من “فسيفساء دمشقية” إلى “فسيفساء التمرد” بحلّة لم تكن لتكون غريبة على القارئ.. في الجزء الأول من الرواية نعيش مع زين لحظات نفور عائلة آل الخيال في زقاق الياسمين منها، و اتهامها بذنب لم تقترفه بموت أمها.. ترتبط الأحداث بـ “يا دمشق وداعاً” بطفولة زين.. حيث يحاول أمجد الخيال -والد زين- بأن يكفّر عن ذنبه بموت أمها من خلال فتح مساحة الحرية أمام ابنته.. لتدخل الجامعة و تكتب بالجرائد باسمها الحقيقي وليس باسم مستعار كما كانت تفعل والدتها “وحده أبي حماني. لأنه لم يكن بوسعه قتل أمي مرتين” -14–  .. نرى من خلال ردود أفعال الشخصيات نفورهم من زين أو أخد احتياطاتهم لخوفهم مما قد تسببه تلك الفتاة المتمردة لهم.. ولكنها تثبت نفسها و بقوة، و نرى أن شخصية زين الكاتبة تلتمع و تأخذ مجدها بانتقال زين إلى بيروت بعد صدور أول أعمالها الأدبية.

من الشخصيات الملفتة في العمل هي شخصية الدكتور المناهلي صديق والد زين الذي قام بإجهاض طفلها في بداية أحداث الرواية.. حيث ينبهر الدكتور بشجاعة زين و إقبالها على العملية وحيدة رغم معرفتها بخطورة الإجهاض في تلك الفترة .. تكتب غادة بلسان الدكتور المناهلي قصته مع زوجه أبيه، و كيف تمنى أن يكون قوياً كزين.. كان يتمنى -غير متأكد من أمنيته- لو أن زين ابنته.. فقد أغرم بتلك الفتاة “النمرودة” التي لا يقدر عليها أحد.. كان يرفض أن ينجب طفلاً خوفاً من مصير مشابه له في طفولته، وقد التمس حجة لكل امرأة تريد إجهاض طفلها بأنه يحمي هؤلاء الأطفال من أن يأتوا لعالم يظلمون فيه بدون ذنب اقترفوه.. “ما يشغلني هو ألا يولد طفل مثلي في بيت ممزق يُعاني كما عانيت و كما عانت زين على الأرجح” -29-

  • تأثير حرف الـ “الحاء” :

في بداية عصر التمرد تحلق زين الخيال تاركةً وراءها الماضي المرصّع بالكرستال و الشرفة الوحيدة التي كانت تطلّ منها على ضوء القمر في بيت زوجها وسيم.. تحلّق مؤمنة بنصيحة والدها “صححي غلطتك و لكن بعد الاعتراف بها” -15- و هذا ما فعلت.. قررت الاحتفال بعيد ميلادها الثامن عشر بأنها ستقترف الخطيئة الثانية (اجتماعياً) بأن تطلب الطلاق ممن أحبت على الرغم من اعتراض القبيلة على ذلك. بعد هذه الفاجعة التي تؤثرة بدورها على -بنات العيلة- في زقاق الياسمين، تقرر زين بدء حياة جديدة.

“الحرية” و “الحق في الحب” مفاهيم تجلت من خلال أحداث العمل و تمرد زين على كل ما يحيط بها من عقبات.. يمكننا القول أن حبكة الرواية الرئيسية تتجلى بعدم وضوحها، إنما هي عبارة عن صورة تعكس حياة أدبية أجبرتها دمشق على المغادرة بسبب ضيق مساحة الحرية.. وتجلى ذلك بعدة أحداث كجلوس زين في مقهى الهافانا أو دخولها لزقاق الجن لتصليح سيارتها.

خلال الأحداث تصف غادة دمشق بكلمات تضرب على وتر الحنين لكل مغترب.. لتنهي الرواية ببيروت، تلك المدينة التي كانت في حقبة الستينات ملجأ الأدباء و المفكرين و السياسيين و الصحفيين، و أيضاً ملجأ من لا ملجأ له!

بعد قراءتنا لفسيفساء التمرد سنعاين المرأة الجريحة التي لم تجرأ على أن تعترف أمام “غزوان” بحبها له، أو حتى أمام نفسها لخوفها من خيبة أخرى.. و سنكف عن اتهمامها بالنرجسية لمجرد أنها نشرت رسائل غسان كنفاني إليها في كتاب سابق بعنوان “رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان“.. حيث يرجح أن شخصية غزوان الفلسطيني في العمل هي في الحقيقة شخصية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني الذي كتب عن فلسطين و قال لغادة في إحدى رسائله السابقة “أنت في جلدي، و أحسك مثلما أحس فلسطين: ضياعها كارثة بلا أي بديل، و حبي شيء في صلب لحمي و دمي، و غيابها دموع تستحيل معها لعبة الاحتيال.” .. لتقول غادة عنه في فسيفساء التمرد “تهب من ثياب غزوان و جلده رائحة بحر عكا و يافا و فلسطين و رائحة دمع الحنين كما يخيل إلى زين التي تسأله: كيف أستطيع تصوير رائحتك بالكاميرا؟ كيف أستطيع التقاط صورة لمشاعرك أيها المعذّب بأكثر من حب يتوّج عذاباتك؟.. غرامك بوطنك فلسطين كما أطالع في كل حرف قرأته لك؟ أنت لست “مجنون زين” كما زعمت لي و نحن في “الغروت أوبيجون” بل مجنون فلسطين”.. ولا بد هنا من ذكر أن غسان كنفاني من مواليد مدينة عكا التي قامت الكاتبة بذكرها في بداية الاقتباس. من المثير للانتباه أيضاً هو تسمية غادة للفصل السابع -ما قبل الأخير- بمحاولتين تترك للقارئ حرية الاختيار بينهما، الأول “الرجل الصح في التوقيت الخطأ؟” ترى ما الذي تقصد غادة الإشارة إليه؟ ظهور “غزوان” أو “غسان” في حياتها بتوقيت غير مناسب؟ بوقت قررت فيه غادة عدم الوقوع بحب جديد خوفاً من خيبات أخرى؟. أما العنوان الثاني فأسمته “محاولة غير صالحة للنشر” أهي غير صالحة للنشر لأن غادة دائماً ما رددت على مسامعنا بأنه ما من روائي كامل؟ و أن أعمالها تدعى “الأعمال غير الكاملة”؟ أم لأنها لا تريد أن تكشف لنا المزيد عن علاقتها بغسان؟.. كلها تساؤلات تثيرها الكاتبة في نفس القارئ، ويتأكد لنا ذلك من خلال ما كتبته قبل البدء بالفصل الأول “لحظة تذكير بحقيقة روايتي: هذه رواية و بالتالي لا علاقة لأبطالها بأي أشخاص حقيقيين من الأحياء أو الأموات. فهي من صنع الخيال الروائي الخرافي فقط لا غير، و أي تشابه مع أحياء أو أموات إنما هو من قبيل المصادفة”. 

  • اقتباسات :
  • “لا سرًّ مكتوماً في دمشق. البيوت لا تضمر سراً. أهلها نوافذ بشفاه.. و ربما للجدران آذان في كل مكان، أما في الشام فللنوافذ كما للجدران شفاه أيضاً” -12-
  • “ستندمين إذا لم تقرعي أبواب عمرك بجرأة” -16-
  • “أنا صخرة في قاسيون. أنا صخرة لا تخاف الأمطار فهي تغسلها.” -23-
  • “نحن الأيتام نعرف من يحبنا و من يكرهنا بالتخاطر من دون الحاجة إلى البوح بكلمة” -31-
  • “ليس بوسع أحد ذاق ماء “نبع الفيجة” أن يمتلك مناعة ضد الحنين.. ذكريات التسكع بين باب الجابية وباب توما والصالحية والجسر الأبيض والشيخ محيي الدين والقصّاع والجامع الأموي وسوق الحميدية والمرجة وشارع بغداد والقنوات والشاغور ومأذنة الشحم وقبر عاتكة و..و..و… كلها لقاح ضد النسيان” -36-
  • “عُدت إلى دمشق لا للانتقام ممّن أذلوني وصارو اليوم بحاجة إليّ، بل عُدتُ لأن حبي لدمشق يذلني..” -36-
  • “ليمونة معصورة! نعم. فقدُت الكثير من وزني و أجهضتُ بالأمس لكنني إنسانة و لست ليمونة تعصر مرة واحدة. أحدهما يريد تسليمي للآخر كبضاعة و الآخر يجد أن البضاعة لم تعد صالحة للاستعمال” -46-
  • ” الحب مسيرة رائعة على حبلٍ ممدود بين النجوم و ما من شبكة واقية تحته. و على المرء أن يرضى أو لا يرضى بتلك المغامرة. أنا وجدتُ الأمر يستحق العناء، و خسرت، وسطقت.. وأحاول الآن تصحيح غلطتي فأنا بشر، و لن أدع أحداً يسلبني حقّي في الحرية..” -98-

قراءة و اعداد : نور أبو راشد

12312253_914784211933047_1809169148_n

عن Ahmad Al Tobol

مؤسس و مدير موقع مجتمع ارابيسك و نادي شام للقراء

شاهد أيضاً

قراءة في رواية جنود الله للكاتب السوري فواز حداد

قراءة في رواية جنود الله للكاتب السوري فواز حداد اعداد : أصالة عثمان  لمحة عن …