الرئيسية / قراءات كتب / قراءة في رواية العمى لجوزيه ساراماغو

قراءة في رواية العمى لجوزيه ساراماغو

قراءة في رواية العمى لجوزيه ساراماغو

“جميعنا عُمي ندَّعي البَصيرة”

لا قيمة لشيء إذا لم نراه وندركَهُ، وتَهتُّكِ علاقة الإنسان بالأشياء، هو خسارةٌ لإنسانيته شيئًا فشيئًا، فتعاملنا العقلاني مع الطبيعة، هو ما تميز به الإنسان، وتَميزتْ به الطبيعة، وما أكثر الفلاسفة الذين فسروا هذه العلاقة الوجودية، والتي فسرها وفصلها  أيضًا، الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو في روايته “العمى” والذي حائز على جائزة نوبل في الأدب، دائبا في كتابته انتقاد التاريخ البرتغالي والمبادئ المحافظة والدين، وساعدته مهنته الصحفية في نظرته الناقدة لواقع في رواياته التي تعرض بعضها للاستبعاد من قبل الحكومة البرتغالية.

إن ضعفَ تلكَ العلاقة تبادليةِ المنفعة بين الإنسان والطبيعة، جسدتها الرواية بفقدان بصر جماعي أصيبت به مدينة كاملة، بدأت الإصابة بالعمى المفاجئ صدفةً، أصيب بها رجل يسوقُ سيارتهُ، فانتقلت العدوى إلى الطبيب الذي قام بفحصِ الرجل، ففتك هذا العمى الأبيض ممن حول المصابين، تضاعف عدد المصابين بالعمى فترك وراءه مئاتُ المصابين، حتى ارتأت الدولة حجزهم في مصحة عقلية.

ضاق المكان داخل المكان، مئات العُمي داخل مصحّة بلا قيادة ولا تراتبية،  دارت معظم أحداث الرواية داخل تلك المدينة العمياء التي حاول العُمي تأسيسها في المصحة، وتنوعت بُنى دولتهم الشبه مستحيلة، البداية كانت مع مبدأ الكل للجميع، بحيث تتوزع الموراد على الجميع بتراتبية معينة، لم يبقى هذا النظام ألا فترة قصيرة حيث تحول إلى حكم مجموعة عمي بسطوة السلاح، وسطوة غريزة الجوع والجنس، فكانت النتيجة المتوقعة من باقي العُمي هي التمرد، بعدها عَمّت الفوضى في كل مكان، ونشب حريق أدى إلى هروب الجميع من المصحة.

تظهرُ في الرواية شخصية البطلة وهي زوجه الطبيب الذي أصابته العدوى، كانت الوحيدة التي لم تصب بالعمى، ادعت العَمى، فعايشت معظم الأحداث في الرواية، يعكسُ الكاتب فلسفته بهذه الشخصية، وانعكاس الأحداث عليها، فوجودية زوجة الطبيب أعطت صورا مفصلة للقارئ للإجابة على سؤال، ما قيمة بصرك مع أناس عمي؟

تجلت قيمة بصرها في معالجتها لبعض حبكات الأحداث في المصحة، وخارجها، ومساعدتها لزوجها، وكل من الفتاة الجميلة صاحبة النظارة السوداء، والتي فقدت قيمة جمالها، الذي تحوّل كما كل الأشياء إلى بياض لا قيمة له، سوى في المعاشرة الجسدية، وحاولت البطلة بدافع “لا خَيار” مساعدة كل من عجوز كثيف الشعر، وطفل أحوَّل، وأول رجل أصيب ومعه زوجته، ووصف الكاتب بكثافة، تجاذبات الشخصيات مع من حولها، وتصالحها في حين آخر.

مكانية الأحداث في الرواية انقسمت أساسيا إلى قسمين، داخل المصحة، هناك حيث اتسعت أهمية الزمان وتأثيره السيئ على تكوين بيئة مناسبة لمئات العُمي داخل بعض الغرف، واختزلت المصحة شكل انعطافات العقل البشري في صدمة كهذه، فمنهم من تَقَبّل عَماه، ومنهم من خرج عن قالبه مرارا، لكن الجميع يشتركون في داخل المكان بالتمسك في الحياة، حتى لو لم يستطيعوا رؤيتها بعد الآن.

أما خارج المصحة، توسعت دائرة الصراع لتشمل شخصيات متخبطة أخرى، استحضر الكاتب كلبا تائها باكيا، ليعكس من خلاله صورة الإنسان العاري من إنسانيته، متهتك القيم، الذي يعيش في فوضى المكان وفوضى النفس، ويرتب الكاتب هذه الفوضى قليلا بقيام الشخصيات الأساسية بالرجوع إلى موطنها الأساسي وهو بيتها، لعلها تستعيد بعضا من إنسانيتها التي فقدتها شيئا فشيئا وسط عُمي جائعين ينهبون ما حولهم ويتبرزون في كل مكان.

انفراج أحداث الرواية، تمثل في استعادة النظر لأهل المدينة، وهذه النهاية لم تكن نهاية بالنسبة لزوجة الطبيب التي لم تصاب بالعمى، نظرت إلى السماء وهي تنتظر عَماها وتقول” جميعنا عُمي مبصرون”،” جميعنا عُمي ندعي البصر”.

روايةُ العَمى فسرت علاقة الشخص بمقدساته وأشياءه، حتى علاقته مع جسده هي غريزةُ بقاء للحياة، وغريزة البقاء وحدها شريرة جدًا، تظهر قبحها كلما تفاعلت مع الكون، فلا يهم شكل الحياة أو كيف تكون، أو مع من؟، فالإنسان مستعدٌ أن يتعرى تحت ضوء القمر، ويغتسلَ بمياه المطر، ويأكل الحيوانات النيئة، ويقتل وينهب، ويكفر بالرب، ليعيش، ليعيش لا أكثر..

بقلم : مجد حثناوي

عن Ahmad Al Tobol

مؤسس و مدير موقع مجتمع ارابيسك و نادي شام للقراء

شاهد أيضاً

قراءة في رواية جنود الله للكاتب السوري فواز حداد

قراءة في رواية جنود الله للكاتب السوري فواز حداد اعداد : أصالة عثمان  لمحة عن …