قبل أن نتعلم العلاقات العامة

يجب أن نفهمها، و حتى نفهمها يجب أن نعطيها تحديداً كرابط اجتماعي بين الفلسفة الاجتماعية و قوة الرأي العام و دوافعه ،و هذا التحديد هو صفتها التعاونية .

فالعلاقات العامة تعمل على كسب تأييد و تعاون و ثقة الآخرين عن طريق الإقناع الذي أصبح المحرك الأساسي لمهارات التواصل بين إدارة الحكومات و أنشطتها و ما تتجه إليه دوافع و مطالب الأفراد ، فالحكومات توفر الخدمات لإرضاء جمهورها و كذلك تفعل المؤسسات في إرضاء زبائنها وعملائها حسب النشاط الذي تقوم فيه ، و هذا هو دور العلاقات العامة ، إنه بالمختصر خلق صلة تعاونية بين خدمات المؤسسة و توجهات الرأي العام لعملائها كحالة من الإقناع و ليس التسويق ، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقاً حين نميز بين مهنتي العلاقات العامة (مع العملاء)و التسويق (مع الزبائن) و حتى في تفريقها عن وظيفة الإعلام.

ذات مرة و في إحدى المحاضرات التي كان يلقيها علينا الدكتور ( نزار ميهوب )، لفتني تعبير نطق فيه اختزال عظيم لما يعترض هذه المهنة التخصصية من عقبات ، قال : “إن العلاقات العامة تعاني أزمة هوية ” ، ثم تابع شرح هذا التعبير قائلاً : ” و هذه الأزمة تتعلق بالاستخدام اللغوي لعبارة العلاقات العامة و التي لا يفهم معظم الناس ما تعنيه هذه العبارة و يخلطون بينها و بين أوصاف مهنية أخرى كالتسويق و الإعلام “.

الحقيقة على أرض الواقع ، ومن خلال عملي الطويل في إدارة العلاقات العامة ،لاحظت أن أزمة الهوية تلك حتى و إن أحسنا الاستخدام اللغوي للتعبير عنها ، فمشكلة الخلط في فهمها أو عدم فهمها بالمطلق تعود للخامة العقلية للمتلقي و خلفيته الثقافية الاجتماعية و البيئية و ليس ثقافته الدراسية أو ما يطالعه من كتب ، فليس كل من طالع بحثاً ما سيتفهمه أو حتى يهتم لأن يتفهمه .

و للأسف في غالبية الوطن العربي غالباً ما توصف هذه المهنة بأوصاف لا ترتقي حتى لمستوى وصف التسويق أو الإعلام على أنهم يبرعون في عدم نسبها للتسويق أو الإعلام.

ذات مرة قرأت إعلاناً في إحدى الجرائد ملخصه أن شركة كبرى ترغب في توظيف مديرة للعلاقات العامة براتب ممتاز و مميزات وظيفية جيدة ، و كنت آنذاك مديرة للعلاقات العامة في شركة ذات مكانة جيدة ،و لكن بالنظر للوغو الموضوع على زاوية الإعلان فقد رغبت جداً في مسألة التطور مهنياً في شركة كبرى كالشركة المعلنة .

في مقابلة العمل مع المدير المالك للشركة عدد لي المهام التي يتوجب علي القيام فيها فقلت للمدير : ” عفواً أنا جئت لأجل الإعلان الخاص بوظيفة إدارة العلاقات العامة ! “.

قال :” أجل ، و نحن نتقابل الآن لأجلها “

قلت :” و لكنك تعدد مهام السكرتارية ؟” ، قال :” أجل و ما الفرق ؟ يمكنك تسميها ما شئت سكرتارية تنفيذية أو مديرة مكتبي ، أو علاقات عامة ، المهم أن تقومي بالمهام المطلوبة “

قلت محاولة أن أستبق لصقه للعلاقات العامة بمهن أخرى :” لكن العلاقات العامة تختلف عن السكرتارية و ليست حتى تسويقاً و لا إعلاماً”.

رد عليَ مدافعاً :” لا أرجوك …. التسويق مهنة أهم بكثير من العلاقات العامة و هي مختلفة تماماً”.

الحقيقة أعجبني قدرته على تمييز اختلافها عن التسويق ، لكن أسفت لوصفه التسويق بأنه أهم من العلاقات العامة .

حديثاً بدأت العلاقات العامة تأخذ نوعاً من الإنصاف في وصفها كمهنة مستقلة عن غيرها من المهن ، و لكن على نطاق ضيق لا يتعدى حدود الشركات و المؤسسات الكبرى المحلية و الاستثمارية و بالطبع كل المنظمات الدولية .

سنبدأ في المقالات القادمة بالتعرف على العلاقات العامة كمهنة ، و نتدرج في تعلمها بعد أن فهمنا مدى خصوصيتها المهنية.

تابعوني بشغف….

 

 

 

 

 

عن تاج عبادي

ماجستير قانون دولي -دبلوم في العلاقات العامة الدبلوماسية -مديرة وكالة BEE SEASONS للعلاقات العامة عضو النادي السوري للعلاقات العامة تكتب في أدب الرسائل و الرواية الواقعية.

شاهد أيضاً

لماذا العلاقات العامة ؟

يعرف رجل العلاقات العامة بأنه الرجل الأوركسترا في مؤسسته ، لكن بالتأكيد ليس القائد الإداري …