الرئيسية / الاقسام التخصصية / مقالات ثقافية / مقالات الراي / التشكيل العربي بين الحداثة و البحث عن الهوية
لوحة في الحروفية للفنان محمد غنوم

التشكيل العربي بين الحداثة و البحث عن الهوية

التشكيل العربي بين الحداثة و البحث عن الهوية

إن ّرصد التجربة التشكيلية العربية من حيث المنجَز الفني في محصلتها ، هي تجربة غنية ومتنوعة تأثرت وما تزال بالتجارب التشكيلية العالمية والرؤى الثقافية والفكرية الغربية ، فجاءت هذه التجارب متنوعة الاتجاهات والمؤثرات ، لترسم معالم ورؤى تشكيلية تقليدية و حدثاوية ، وذلك ضمن تجارب فردية لم ترسم ملامح تجمع ظاهر ، كما التجمعات التي قدمت مدارس الحداثة الأوربية ، وفق تصنيفاتها الأكاديمية ، بالإضافة إلى الرؤى والتجارب الفردية الخاصة .

وضمن هذا الجذب المنهجي الحداثي عزف أغلب الفنانين عن تناول التجارب الواقعية التسجيلية عالية الحرفية ، فجاءت التجارب الواقعية قليلة وفردية ، ضمن مناخ ثقافي يرفض النقل أو محاكاة الواقع ، على أنه حالة تَحدُ من حالة الإبداع الفني المرتبط بمفهوم الفن المعاصر و المرتبط بدوره بالفكر والثقافة والرؤى الفلسفية ، مما أفقدنا من حيث المخزون التوثيقي الكثير من المشاهدات الواقعية ، والتجارب لمعالم الطبيعة والبيئة الشرقية التي يمكن للفنان أن يوثّقها ، مما أبعد الفنان العربي عن موروثاته الأساسية حيث الهوية والأصالة ، ذلك بالرغم من تهافت الفنانين الغربين لرسم البيئة الشرقية ، بما تمتلكه من مخزون جمالي بصري محفَّز وقد عُرفوا بالفنانين المستشرقين وعُرف فنهم بفن الاستشراق .

 لوحة " الصلاة " من فن الإستشراق للفنان النمساوي لوديج دوتش (1855-1935 )
لوحة ” الصلاة ” من فن الإستشراق للفنان النمساوي لوديج دوتش (1855-1935 )

وأرى أنّ من المآخذ التي تؤخذ على الفنانين التشكيليين العرب ، ومنهم النخبة المثقفة ، التي وقعت وتهافتت وراء المفاهيم والقيم الفنية والجمالية الغربية ، وذلك ضمن ما أحدثته من انبهار على المستوى المفهوم الفني وحتى التقني ، مما أعجز الفنانين التشكيليين العرب عن إحداث ظاهرة فنية ناضجة ومتبلورة بالشكل المؤثر من حيث الطابع والهوية ، و هذا بدوره أدى إلى خلق فجوة كبيرة بين الفنان والمواطن العربي ، المتذوق للمنتج الفني ، في طريقة فهم الكثير من الإنتاج الفني المرتبط برؤى المدارس الفنية الغربية ، والذي انبرى في كثير من الأحيان بتبعية غربية من حيث الطرح والمفهوم الفكري والمدرسي لمضمون اللوحة التشكيلية ، وحتى التقني ، وهذا ينسحب أيضا على المستوى الأكاديمي والمعرفي المنهجي المرتبط بمناهج تعليم ودراسة الفن ، وحتى تلك الظاهرة المدرسية المسماة الحروفية التشكيلية التي تظهر على أنها حروفية عربية خالصة الهوية والمنشأ ، والتي نهج العديد من الفنانين طريقتها وأسلوبها من حيث استخدام الحرف العربي لخدمة القضايا التشكيلية ضمن اللوحة ، فلا يخفى و يفاجئ أحداً أن الفنان الألماني السويسري بول كلي  ، هو أبرز الآباء الشرعيين للحروفية العربية ، وله الأسبقية في ذلك بالرغم من كل ما قيل عنها ، وقد نجد أن بعضاً من التجريبيين المرحليين تعاملوا مع الحرف العربي ليس باعتباره نمطاً أو قاعدة فنية مدرسية وليدة ، أو حتى نمطاً شكلياً هندسياً بحد ذاته ، إنما فاصلاً تقنياً يخلق توازناً على الصعيد اللوني والحركي داخل فضاء اللوحة ، لذلك يعتبر هذا التناول استغلالاً لأداة ميتة وغير موحية بخصوص الحركة والاستمرار ، لتدخل اللوحة فيه باجترار معالمها وفضائها دون تطوير مرحلي منهجي مكشوف المعالم.

لوحة في الحروفية للفنان محمد غنوم
لوحة في الحروفية للفنان محمد غنوم

  وأرى أنه لا بدّ لنا من رسم معالم تشكيل عربي يرتبط بالموروث والأصالة والقضايا والهموم العربية ، وحتى بطبيعة الثقافة والفكر بالمفهوم المعاصر ، وهنا يجب ألا ننكر أنّ جهوداً حثيثة ً تصب في هذا المضمار من الطرح من قبل العديد من الفنانين العرب ، ولكن لا بدّ أن نعترف ونشير أن واقع التشكيل العربي منذ مرحلة الانتداب ، وتأثير الدول الاستعمارية لصالح مدها الحضاري على الواقع العربي بكافة مناحيه ، لم يشر إلى ذلك حيث أنّ المعطيات التشكيلية لم تعالج الهموم والرؤى للكثير من المعطيات التاريخية والحضارية العربية ، وهنا مكمن اتساع الفجوة بين الجمهور، وفكر ونتاج الفنان ، وحتى قراءة الناقد ، وهنا سوف أذكر على سبيل المثال لا الحصر أهمية إدخال التأثيرات والرموز العربية في منتج العمل الفني – الرسوم واللوحات – فالفنانون العرب أمثال ضياء الدين العزاوي ، ومصطفى الحلاج ،واسماعيل شموط وغيرهم كثر أيضاً ، أدخلوا رموزاً وتأثيرات حضارية عربية من الواقع العربي المعاش ، كدلالة عن شحنات تعبيرية ورمزية ، وعن الارتباط الوثيق بين الفنان وواقعه وتاريخه ، ليتمّ إعادة صياغتها وتذويبها وصهرها ضمن مفهوم فكرة المعاصَرة .

لوحة للفنان ضياء الدين العزاوي
لوحة للفنان ضياء الدين العزاوي

 فحريٌ بنا أن نقول أن الفنان ينهل من مختلف الأبحاث والتجارب ليقف على الأساليب المختلفة لمذاهب ومدارس الفن ، وأن يوظّف كل إمكاناته وقدراته وخبراته لفائدة الموروث الحضاري والثقافي ، أو الصبغة و الهوية لديه ، وما يحويه من معطيات إنسانية تصب في صالح تراثه الزاخر ، ومعالم واقعه ومستقبله ، و الذي يكون منبعاً لا تنعدم فيه إيحاءات وأدوات الإبداع والتعبير الجمالي ، وهذا حدث عند النزر القليل من الفنانين المندفعين بدافع عاطفي لا يخلو من الرومانسية نحو الطبيعة ، أو عند بعض التجريديين المرحليين الذين ولّدوا إرهاصات ذاتية تعاني من القصور في الإفصاح عن الهوية الفنية ، ولعلي أرى أن الارتباط الأول يخلق أجواءً من التواصل والألفة ، وبدوره يحظى باهتمام شعبي ، بالرغم من أنها كانت تنجَز باتجاهات غربية ، و قد طُوّعت  لتخرج بقالب شرقي الهوية .

ولابد لنا أن نعترف بالنهاية أن الحركة التشكيلية العربية أيضاً تحتاج إلى دراسة منهجية وموضوعية متأنية ، ودراسة تفصيلية تتضافر فيها جهود ٌجماعية تخصصية ، للوقوف على حيثياتها المختلفة المنابع والاتجاهات والمؤثرات .

بقلم الفنان التشكيلي : سامر عبد الغني 

عن Ahmad Al Tobol

مؤسس و مدير موقع مجتمع ارابيسك و نادي شام للقراء

شاهد أيضاً

أفسحوا الطريق للمسرح

(أفسحوا الطريق للمسرح )   بقلم : حسام محمد غزيل هكذا أنهت الممثلة الفرنسية ايزابيل …